الشهر: أغسطس 2021

حمام بارد في جو ساخن

محمد مزيد – قاص عراقي – كلمة   فكت قبضتها عن ذراعي عندما أدخلتني الحمام بعنوة ، فوجدتنفسي في الظلمة بعد أن أسدلت الستارة البنفسجية التي تفصلالحمام عن باحة الحوش الصغير المتواضع .  أرتبكتُ ، هذه هي المرة الاولى في حياتي التي أرغم بها علىالأغتسال خارج منزلنا، وليس لدي القدرة على مخالفة أوامرها ، وأناصغير لا افقه من الحياة شيئا ، عمري في الثالثة عشر . كشفتْ الستارة فوجدتني مازلت أرتدي ملابسي ، قالت بصوتها المزعج” أخلع ملابسك بسرعة، أنت قذر ورائحتك وصلت الى السماوة ” . دشداشتي مقلمة بخطوط حمر وبيض ، فصّلت على مقاسي الهزيلمنذ العيد الماضي وليس هناك شيء أرتديه تحتها ، مثل حال كل أبناءمدينتنا الجنوبية الفقيرة . ربما تتساءلون، ما الذي يجعل أمرأة في الأربعين من العمر، تأمرصبيا مثلي على الإغتسال في حمامها ؟ ملخص الحكاية ، إنني لم أسجل في المدرسة الابتدائية حتى هذاالعمر بسبب خوفي من المعلمين الذي يضربون  التلاميذ بالعصاالخيزران ، وأقنعت والديّ بأنني سأعمل في بيع الصحف والمجلاتوليس لدي الوقت للدراسة .  لكن والدي بادر الى الاتفاق مع ( ملة فطم ) لتعليمي القرآن واللغةالعربية ، ووجدتني اداوم مع ثلة من بنين وبنات تكاد اعمارهم تقاربعمري .  في قاعة الدرس وهو عبارة عن حوش صغير سقفه من السعفوالحصير، كانت لدينا ست فتيات وخمسة فتيان ، كنت كبيرهم ، أتذكرأن  الملة حين رأتني مع والدي ، في أول يوم ، أندهشت وقالت له “ هذارجال وليس صبيا كما أخبرتني ، فضحك والدي وقال لها أن القطارفاتني كثيرا ويريدني أن أتعلم عندها قبل تسجيلي في المدرسةالابتدائية بداية السنة الدراسية للعام 63 / 64  .  كنا نجلس في الظل، تحت سقيفة السعف والخوص حيث كانتالشمس الحارقة تتخلل بقعة لم تسقف جيدا  فتترك على ملابسناووجوهنا أنواعا من الظلال والرسوم الجميلة،التي كنت أراقب اشكالهااكثر من الدرس .  أجلستني الملة آخر الصف على حصيرة ، وبسبب الملل كنت أقتلعمنها أعواداً وأغرز بها مؤخرات الفتيات او الفتيان فتنتصب ظهورهمفجأة من دون الالتفات الى الخلف ، ومن غير أن تلاحظ الملة طبعا . صاحت رددوا خلفي “ الحمد لله ، رب العالمين “ فنردد خلفها ، كنتأقول الكلمات بصوت خافت ولا أعرف كيف أكتشفت الملة خفوت صوتي، فسحبت عصى من الخيزران تقع خلف السبورة وقالت “ من لايرددمعي اهرش جلده بهذه “ ولوحت بالعصى “ أريدكم أن ترددون بأعلىأصواتكم “ ، “ الرحمن ، الرحيم “ بقي صوتي خجولا، ذلك لاننيأشعر أن فيه خشونة لا تتلائم مع أصوات الصغار الطفولية،  فقالتلي “ تعال أجلس هنا وأسمعني صوتك “ جلست في أول الصفوبدأت تتلو الآية “ مالك يوم الدين “ فزعقت بصوتي الأجش مثماأرادت ، فأبتسمت لأنها شعرت بانها أنتصرت علي . …