الشعب لا يكره رئيسه إلا حين يُخدع

سيادة الرئيس،
أخطر ما يهدد أي قائد ليس عدواً بالخارج، بل بطانة سوء في الداخل. بطانة تزيّن له الباطل وتُبرر الفشل، وتستعمل اسم الرئيس غطاءً لقرارات قاسية أرهقت الناس. المواطن البسيط لا يرى وزيرًا أو مستشارًا، بل يرى أن الرئيس هو من قرر وهو من ظلم. وهكذا يكتمل المخطط: أن تُصبح وحدك في مواجهة غضب الشعب
بل من هم حولك من «ولاء زائف» ومصالح شخصية. هؤلاء لا يخدمون الدولة، بل يخدمون حساباتهم البنكية بمظلّة السلطة: يضغطون على أسعار السلع، ينهبون الأراضي العامة، يعيقون فرص الشباب، ويستخدمون اسمك ستاراً تقية لظلمهم.

نداء إلى الرئيس: لا تدع بطانة الفساد تُسقطك كما أسقطت مبارك
يا سيادة الرئيس،
ألم نتعلم من تجربة قريبة؟ الرئيس الأسبق حسني مبارك لم يسقط فجأة، بل أسقطته بطانته الفاسدة. لسنوات طويلة كان حوله وزراء ورجال أعمال لا يرون إلا مصالحهم:
• رجال أعمال نهبوا ثروات مصر، وأقاموا إمبراطوريات شخصية.
• وزراء أداروا الاقتصاد لصالح قلة محدودة، حتى تحولت مصر إلى بلد الأغنياء الجشعين والفقراء المهمشين.
• مستشارون لم ينقلوا للرئيس غضب الشارع، بل زيّنوا له أن الأمور مستقرة.

حتى جاء يوم لم يعد الشعب يثق في كلمة أو وعد، ولم يعد يرى في الرئيس إلا رمزًا للظلم والفساد، رغم أنه لم يكن وحده من صنع كل ذلك. لكنه دفع الثمن لأنه سمح للبطانة أن تتحكم في مصير الدولة.

إن ضياع الثقة هو أخطر ما يواجه أي قائد. حين يشعر الناس أن الرئيس لا يسمعهم، وأنه يتركهم فريسة لمصالح المحيطين به، فإن حبهم يتحول إلى نقمة، وصبرهم إلى انفجار.

فساد المصالح الشخصية

لقد تحولت مؤسسات الدولة عند البعض إلى غنيمة، كل مسؤول يبحث عن مصلحته:
• مسؤول ينفّذ قرارات تزيد أرباح شركته أو شركاءه، ولو على حساب قوت الناس.
• وزير يوزّع المناصب والمشروعات على أقاربه والمقربين منه.
• مستشار يتعمّد إخفاء التقارير الحقيقية ليُظهر نجاحًا وهميًا، ويخفي فشلًا ذريعًا.
• أجهزة تُضيّق على المواطن البسيط في كل معاملة، بينما تُفتح الأبواب لكبار المتنفذين.

هؤلاء لا يبالون بغضب الشعب، لأنهم في النهاية سيتركونك وحدك في المواجهة، بينما يختبئون خلف سلطتك.

اسماء هدمت عرش مبارك

ألم نتعلم من الأمس القريب؟
الرئيس الأسبق حسني مبارك لم يسقط لأنه لم يملك القوة أو المؤسسات، بل سقط لأن بطانته الفاسدة أضاعته من الداخل:
• أحمد عز حوّل سوق الحديد إلى إمبراطورية احتكار، أرهق المواطن البسيط ودمّر المنافسة.
• أحمد المغربي ووزراء الإسكان حوّلوا أراضي الدولة إلى هدايا لشركات خاصة مثل بالم هيلز.
• حسين سالم استغل نفوذه في عقود الغاز، ليبيع ثروات البلد في صفقات مشبوهة.
• علاء وجمال مبارك ومعهم رجال أعمال نافذون، كوّنوا ثروات بالمليارات خارج البلاد، بينما الفقر ينهش الناس.

وعندما انفجر الغضب، لم يبحث الشعب عن أسماء هؤلاء، بل نظر إلى رأس النظام وحده. فخسر مبارك شرعيته، ليس لأنه وحده أفسد، بل لأنه صمت على فساد بطانته

الواقع يعيد نفس المشهد

في عصرنا هذا، تواجه مصر نسخًا حديثة من نفس بطانة الفساد:
• قرارات اقتصادية تزيد أعباء الناس.
• وزراء يهتمون بمصالحهم لا بمصلحة الدولة.
• مؤسسات تُسخّر لخدمة القلة، بينما البساطة تدفع الثمن.
• تقارير مزيفة تُظهر “نجاحًا” فيما الشعب يعاني.

إن الشعب لا يرى هذا، بل يرى فيك أنت رمز الحكم. فإذا سمعتهم ينسون أن لك دورًا أصليًا في إدراك مشاكلهم، فوحدك من سيُلام

بطانة المصالح تلتهم ثقة الشعب

كل واحد من هؤلاء لا يعمل لصالح الوطن بل لصالح نفسه:
• من يهمه أن يُبرر قرارات اقتصادية تُرضي صندوق النقد حتى لو سحق المواطن.
• من يهمه أن يحافظ على منصبه حتى لو غرق الشعب في الفوضى.
• من يهمه أن يلمّع صورته عندك أكثر من اهتمامه بحياة الناس اليومية.

هؤلاء جعلوا المواطن البسيط يئن تحت الأسعار والديون، بينما يرفلون هم في امتيازات ومكاسب شخصية.

إبراهيم محلب… رجل المصالح لا رجل الدولة

إبراهيم محلب لم يكن في أي يوم رجل دولة حقيقي، بل رجل مصالح يتقن لغة الشبكات والعلاقات. عندما تولى وزارة الإسكان ثم رئاسة الوزراء، لم يفتح الباب للكفاءات، بل ملأ الوزارات بالمقرّبين من الأصدقاء والمعارف، لتتحول الحكومة إلى دائرة مغلقة من المجاملات لا من الكفاءات.

أراضي العلمين… من ثمن بخس إلى ملايين

في فترة توليه وزارة الإسكان، حصل محلب على مساحات واسعة من الأراضي في العلمين بثمن بخس، في وقت كان المواطن البسيط لا يجد شقة تؤويه. واليوم صارت تلك الأراضي بملايين، لتكشف أن ما جرى لم يكن استثمارًا مشروعًا، بل استغلال فجّ للنفوذ.

شركات لأولاده… استغلال المنصب والعلاقات

لم يكتف محلب بما حصل عليه من السلطة داخل مصر، بل استغل موقعه وعلاقاته الخارجية ليبني شركات بأسماء أبنائه. مصالح خاصة وامتيازات شخصية خرجت من رحم منصب عام، ليصبح الكرسي أداة ثراء لا وسيلة خدمة.

الرجل الذي تسمى بالخط الأحمر

تم الإعلان عن مليارات الجنيهات تم إنفاقها على تحديث السكة الحديد، وتطوير المحطات، وتغيير القضبان، وشراء عربات جديدة. لكن ماذا كانت النتيجة؟
• الحوادث ما زالت تتكرر بوتيرة مأساوية.
• الدماء ما زالت تسيل على القضبان.
• المواطن العادي لم يشعر بأمان حقيقي وهو يركب القطار.

المشهد المؤلم لم يتغير، إلا في المؤتمرات والصور الرسمية.

عقلية المشروعات لا عقلية الخدمة

كامل الوزير تعامل مع ملف النقل بعقلية “المشروع الكبير” الذي يصلح للعروض الإعلامية، لكنه لم يتعامل بعقلية الخدمة اليومية للمواطن.
• ركز على خطوط جديدة وقطارات مكلفة تخدم النخبة أو السياحة.
• بينما ترك القطارات الشعبية التي يستخدمها ملايين الفقراء في حالتها المأساوية.
• النتيجة: المواطن يرى إنجازات في التلفزيون، لكن واقعه اليومي أسوأ من قبل

رأي الكاتب – كلمة حق لا تحتمل المجاملة

أنا أكتب اليوم بصرامة وبدون مواربة: المعركة الحقيقية أمامك ليست ضد الخارج بل ضد البطانة الفاسدة. مصر لا ينقصها رجال مخلصون، لكن مكانهم يُغلق لصالح المنافقين والمتسلقين.

إنني أرى أن ما يُهدد حكمك ليس مؤامرة من عدو، بل مؤامرة من حاشية لا تعمل إلا لمصالحها. هؤلاء يقتاتون من قوت الناس، ويحمّلونك وزر ما يفعلونه، حتى إذا انفجر الشارع وجدناك وحدك في مواجهة النار.

أقولها بوضوح: إذا لم يكن هناك غربلة صارمة، ومحاسبة علنية، وإبعاد لكل فاسد مهما كان موقعه، فإنك تسير نحو تكرار سيناريو مبارك خطوة بخطوة.

الخاتمة – إنذار للتاريخ

سيادة الرئيس،
لقد علّمنا التاريخ أن الشعوب حين تفقد ثقتها لا تعود. مبارك لم يسقط بمدافع ولا بانقلابات، بل سقط حين فقد حب الناس، لأن بطانته خانته وأرهقتهم باسمه.

اليوم التاريخ يكتب سطورًا شبيهة، وأنت تملك خيارًا واحدًا: إما أن تخوض معركة ضمير حقيقية فتطهر الحكم من بطانة المصالح، أو تجد نفسك يومًا ما في مواجهة شعب لم يعد يثق فيك.

احذر يا سيادة الرئيس…
إن لم تُصلح الداخل، لن يحميك الخارج.
إن لم تُسمع صوت الشعب، سيسمعك هدير غضبه.
وإن لم تُحسن الاختيار اليوم، فالتاريخ سيكتب النهاية غدًا بلا رحمة

️ الكاتب: د. سهير عمارة — من أجل مصر… لا من أجل المناصب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *