..
بقلم نوري جاسم …
ان معركة الوعي في زمن السرعة، هذا الزمن المندفع كالسيل، حيث تتشابك الأرواح قبل الأيدي، وتلتقي الثقافات في فضاء لا يعرف حدودًا، تقف الثقافة على مفترق طرق. أمامها رياح العولمة العاتية، تحمل معها بذورًا من كل أرض، وألوانًا من كل سماء، لكنها قد تحمل أيضًا غبار النسيان الذي يطمس الملامح ويبهت الألوان، ان العولمة ليست وحشًا أسطوريًا ولا ملاكًا ناصع البياض؛ إنها بحرٌ واسع، من يملك شراع الوعي يبحر بأمان، ومن يلقي نفسه بلا بوصلة قد يغرق في التيه. هي نافذة على العالم، لكنها قد تكون بابًا خلفيًا يسرق منا هدوء هويتنا إذا غفلنا عن حراستها، ان الهوية الثقافية، تلك الروح الجمعية التي تتنفس من تاريخنا وأغانينا وحروف لغتنا، لا تعني أن نغلق الأبواب في وجه الرياح، بل أن نفتح النوافذ بحذر، ندخل النور ونصد العاصفة. إنها ليست تمثالًا من حجر، بل شجرة حيّة، تنبت أغصانًا جديدة كلما روتها مياه التجربة، لكنها إن اقتُلعت من جذورها ماتت.
والمعركة اليوم ليست على أرض ولا على ثروة، بل على المعنى. تُخاض بالكلمة والصورة واللحن، تُحسم في صفحات الكتب كما في ومضات الشاشات. فإذا لم نحكِ نحن حكايتنا، فسيرويها الآخرون بلغة قد تبهت الحقيقة أو تُعيد تشكيلها على أهوائهم، والمثقف الحق هو من يجلس على ضفة النهر، يغترف من مياهه العالمية لكنه لا ينسى أن يغرس قدميه في تربة أرضه. هو من يمسك بخيوط الماضي ليحيك بها ثوب المستقبل، فلا يكون أسير التراث ولا عبدًا للموضة. والعولمة قدَر، لكن الوعي اختيار. والهوية لا تضيع إلا حين نتركها تتلاشى في ضجيج العالم بلا حارس، والثقافة لا تموت إلا إذا نسينا أن نمنحها صوتًا في زحام الأصوات. فلتكن معركتنا معركة جمال، معركة وعي، معركة أن نكون نحن… مهما تغيّر العالم.
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..