بقلم:
د. سهير حسين عمارة

لم تعد الواسطة في مصر مجرد عادة اجتماعية أو وسيلة لتيسير الأمور، بل أصبحت منظومة كاملة، متجذرة في كل مؤسسات الدولة تقريبًا، تُعيد ترتيب المقاعد وتوزيع المناصب والفرص وفق علاقات النسب والمصالح والتربيطات، لا وفق معايير الكفاءة والعدالة.

في كل مرة نشهد فيها تعيين مسؤول جديد أو اختيار شخصية عامة لمنصب رفيع، لا نجد الإجابة في سيرته الذاتية ولا في إنجازاته الفعلية، بل في قائمة طويلة من الصلات العائلية والعلاقات الخاصة التي يحرص البعض على إبرازها وكأنها صك شرعية يتفوق على أي معيار آخر.

هذه الثقافة هي التي أدت إلى ضياع هيبة الدولة، وشلّت قدرات أجهزتها، وجعلت الفشل هو النتيجة الطبيعية لتراكم عقود من الواسطة والمحسوبية. حين يوضع غير المؤهل في مكان لا يستحقه، يصبح القرار ضعيفًا، والتنفيذ مرتبكًا، والمحاسبة غائبة، لأن من عيّنه لن يسمح بمسّه أو انتقاده.

والأدهى من ذلك، أن تطبيق القانون على أصحاب الواسطة بات حلمًا مستحيلًا. فحتى لو انكشفت الحقائق، وأدرك الجميع أن هذا المنصب جاء بالمجاملة لا بالكفاءة، تظل المحاسبة غائبة، لأن كل مسؤول غير جدير تحميه شبكة المصالح التي صعدته. هكذا يتحصن هؤلاء داخل دوائر مغلقة لا تجرؤ أي جهة رقابية على اقتحامها.

لقد أصبحت أجهزة الدولة تدار بمنطق “الأقرب أولى”، بينما يتراجع أصحاب الجدارة إلى الظل، محرومين من أبسط حقوقهم في تكافؤ الفرص. ولهذا لا يمكننا أن نتعجب من تراجع الأداء وتراكم المشكلات وتكرار الفشل، لأن أساس النجاح هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وهذا الأساس مفقود تمامًا في ظل تفشي الواسطة.

إن أخطر ما في الأمر أن هذه الظاهرة لا تُعتبر جريمة أخلاقية فقط، بل هي جريمة وطنية مكتملة الأركان، لأنها تهدر مقدرات الدولة وتقتل روح الانتماء، وتغلق أبواب الأمل أمام الشباب الذين اجتهدوا بلا سند ولا ظهر.

والمؤسف أن كل دعوات الإصلاح ستظل صدى أجوف ما لم تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية لمواجهة هذه الظاهرة من جذورها. فلا قانون سيُحترم، ولا مؤسسة ستتعافى، طالما أن أبناء النفوذ يُحمَون من أي محاسبة، ويُقدَّمون دائمًا على أبناء الكفاءة.

لقد آن الأوان لنقولها بوضوح: أي إصلاح يبدأ بتجريم الواسطة بكل أشكالها، وإعلاء قيم العدالة على حساب الولاءات الشخصية، وكسر الحصانة الوهمية التي تحيط بمن وصلوا للمناصب عبر الطرق الخلفية.

إن بقاء الواسطة متغلغلة في مؤسسات الدولة ليس مجرد خطأ إداري عابر، بل هو تهديد وجودي لهيبة الدولة نفسها. حين يُعيَّن غير الأكفاء، ويفلت أصحاب النفوذ من أي محاسبة، تنهار ثقة الناس في القانون، ويتحوّل الشعور الوطني إلى إحباط عميق.

والأسوأ من ذلك، أن هذا الانهيار لا يقتصر على الأداء المؤسسي فحسب، بل يمتد إلى روح المجتمع وضمير أفراده. فمتى مات الضمير، ومات الأمل في أن يكون الاجتهاد والبحث والتفوق سبيلًا للتقدم، يتحوّل الناس إلى قطيع يائس لا يطمح إلا للهروب أو الانسحاب أو تقليد الفساد نفسه.

إننا نحذّر بصدق: إذا لم نكسر هذه الدائرة المغلقة، ستتآكل الدولة من الداخل، وسيصبح موت الطموح الجماعي والضمير الحي واقعًا لا رجعة فيه.

ولن يكون غدًا أفضل إلا عندما ندرك أن الواسطة ليست مجرد عادة، بل هي سرطانٌ يُفقدنا قيم العدالة، ويمنعنا من بناء وطنٍ يليق بتضحيات الشرفاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *