د. محمد فلحي
رئيس الوزراء الجديد يلغي مكرمة الرئيس السابق الذي منح قطع اراض متميزة ثمينة جدا لمسؤولين كبار، دون غطاء قانوني أو شرعي أو أخلاقي، سوى المحاباة والرشوة العلنية!
” وهب من لا يملك لمن لا يستحق”.. عبارة عربية بليغة تلخص مشكلة غياب العدالة عند الحاكم طوال تاريخنا السياسي المخزي!
ما يستفز في المنحة أو المكرمة ان الحاكم الديمقراطي يقلد فيها الحاكم الدكتاتوري خطوة بخطوة بلا خجل او خوف من غضب الناس!
سوف اروي حكاية من زمن الدكتاتورية والظلم ويمكنك القياس عليها اليوم في زمن الديمقراطية المفترضة بلا زيادة أو نقصان!
في عام ١٩٩٣ وزعت وزارة التعليم العالي على عدد من الاساتذة شقق عمارات الخيرات مقابل فندق فلسطين في نهاية شارع السعدون وسط بغداد!
كان تخصيص الشقق من خلال استمارة ورقية تتضمن فقرات من اهمها الشهادة والدرجة العلمية وعدد الابناء وسنوات الخدمة ومن ثم تجمع النقاط ويفوز فيها من لديه نقاط أكثر!
كنت تدريسيا في قسم الاعلام حينذاك بشهادة الماجستير وخدمتي اربع سنوات وعائلتي اربع بنات ونسكن في مكان مستأجر لا يمكن ان يسمى بيتا ابدا!
وفق النقاط كنت من أول الخاسرين وتبخر حلمي امام مقياس العدالة العمياء المفترضة، وفاز بالشقق اساتذة كبار في السن واغلبهم كانوا يمتلكون بيوتا فارهة، واحدهم كان استاذا في كلية الطب ولديه مستشفى خاص!
قابلت شاكيا حزينا وزير التعليم العالي حينذاك وتظلمت عنده ،وانني زرت عمارات الخيرات بعد توزيع الشقق بمدة شهر ووجدت ١٥ شقة فارغة غير مسكونة لان من فازوا بها بالنقاط لديهم بيوت ولا يحتاجون الى الشقق كما هو واضح، ويعتبرونها احتياط او خير زايد!
تعجب الوزير وكتب على طلبي بكل خبث عبارة:” تسحب الشقق الفارغة وتوزع بالقرعة”..وعندما سألته مندهشا: لم تحل مشكلتي يا دكتور وسوف تخصص الشقق بالقرعة عشوائيا ايضا وهذه ليست طريقة عادلة!
غضب واجاب بعصبية : “شارك بالقرعة”!.. ثم اشار لي بالخروج من القاعة!
حضرت في يوم القرعة مع حشد من الاساتذة وكل منهم يكتب اسمه على ورقة صغيرة ويرميها داخل الصندوق وبعضهم كتب اسمه على خمس قصاصات ورماها في الصندوق لعله يضمن الفوز بالغش!
اخبرت المشرف على القرعة مدير عام الادارية والقانونية حينذاك،بان هناك غش وتلاعب بالقرعة!
فاستغرب لكنه لم يفعل شيىئا واجريت القرعة وفاز بالشقق زملاء لم يكونوا يحتاجونها مثلي!
وضاع صوتي وسط ضجيج القرعة القرعاء!
عندما زرت احد اصدقائي في شقته بعد ايام ورويت له حكايتي قال باستهزاء: يمعود يا نقاط يا قرعة،الشقة التي فوق شقتي خصصها الوزير لموظفة في مكتبه وهي زوجة ثانية لضابط مخابرات!
كما خصص مسجد المجمع الى احد الاساتذة الرفاق ليحوله الى شقة ارضية!
ثم اضاف:احمد الله انك فوق السطوح وليس داخل السجون او تحت الارض !
حينذاك قررت ان اهجر وطنا تكون العدالة فيه هي الظلم بعينه!
بعد غياب سنوات طويلة عن الوطن وبعد سقوط الصنم عدت متفائلاالى الوطن، ولم اجد من بين الحاكمين الجدد من يهتم بتوفير المأوى للمظلومين أمثالي، وسكنوا هم في قصور الظالمين!
استاذ جامعي او طبيب او مهندس او ضابط يسكن في الزراعي او التجاوز او مستأجرا لمشتمل مساحته خمسين مترا في حين يحظى اصحاب المعالي بمكرمة قطعة ارض متميزة ٦٠٠ متر!
عليك ان تقارن بين الامس واليوم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *