كلمة_ قراءات في كتاب “تعلم كيف تحب”
بقلم نزهة عزيزي

تحت سماء جربة تتعانق الألوان لتدهش البصروتفتح البصيرة على لوحة رسمها ابدع الفنانين الخالق عز وجل. زرقة بحر وسماء وبياض يملأك بالسكينة. هنا الشبابيك الزرقاء والشرفات التي يتعرج فيها الياسمين والنخيل تغازل البحر وتنام في حضنه.
هكذا فتحت لي جربة ذراعيها ونزلت على أرضية مطارها أستحم بدفء شمس خريفها الذي مازال يحتفظ بنكهة صيفية تستحوذ على حواسك بلطف.
تمتد شوراع وبيوت جربة البيضاء على مد البصركأنها صفوف مصليين داخل مسجد الملكوت، البيوت لا تتعدى في إرتفاعها طابقين مما جعلها تتميز بطابع معماري خاص. فهمت من سائق الطاكسي الذي نقلني من المطار إلى فندق الرادسون بلو بالساحل السياحي لجربة أن بناء العمارات ممنوع في جربة . وهكذا أضحت هذه العروس متميزة بفستان عمارتها تتقاسم معها بعض المدن الساحلية في اليونان نفس الطابع العمراني وتتنافس كل منهما كحوريات البحر،على ضفاف المتوسط لإغراء أكبر عدد من السياح.
بدأت جولتي السياحية بزيارة حومة السوق وهي قلب المدينة النابض الذي يعج بالحياة والحركة ، تترامى أمام عينيك محلات الصناعة التقليدية التونسية في كل مكان ، فخار، ونسيج، وألبسة تقليدية، وعلى شرفات المقاهي تنتشى الشفاه بالقهوة والشاي وبكوكب الشرق التي يعبق الفضاء بأغانيها.
عندما أحل في سفرياتي في بلد لا أعرفه أذهب إلى السوق الشعبي، بالنسبة لي هو مرآة صادقة عاكسة لأسلوب حياة أي مجتمع. فأتقمص لسويعات بطل رواية سمرقند للكاتب أمين مألوف الذي يصف كلوحة الأسواق التي حل بها.وكعادتي الباريسىة أجلس على شرفة ما وأستمتع بالنظر لصخب السوق والمارة، روائح وعطور وبخور وكلمة ” عسلامة” التي تعني مرحبا بالتونسية ترسم ملامح جربة العميقة. مازلت أؤمن بالمثل الفرنسي الذي يقول ” السفر يشوه حقائب السفر لكنه يبني الفكر” أليس هو جسر نمده من ذواتنا لنكتشف ثقافة الآخروبإكتشافنا للآخر نكتشف ذواتنا.
بدأت أبحث عن مكتبة لأشتري كراسا واقلاما تحسبا لأمطار الكتابة ومخاض الأفكار التي تولد من خصب الترحال. دخلت في أزقة عتيقة ووجدت ظالتي فإنبهاري بالكتب من أجمل اللحظات التي أعجز عن التعبير عنها ، عشاق الكتب سيفمون هذه اللحظة. وقعت عيني على مؤلف شدني للكاتبتين التونسيتين نادرة الغرياني وأمها “ماما دليلة ” ” تعلم كيف تحب “نادرا ما تنضح الساحة الأدبية العربية بكتابة مشتركة لأم وابنتها وهذا التميز ليس غريب على الكاتبة التونسية المبدعة. فتذكرت أن عشيقة ألبير كامي ماريا كزاريس كتبت كتاب مشتركا مع إبنة عشيقها حول مراسلاتها الشهيرة معه والتي خلدت قصة حبهما في الادب الفرنسي المعاصر.
مازلت أؤمن بالفعل الثقافي في تونس رغم كل ما مر ويمر على على هذا البلد الشقيق، من أزمات إقتصادية وسياسية وإجتماعية ،الثقافة حاضرة في جربة وبقوة، رأيت عروضا لوحات تشكيلية لفنانين محليين في منتهى الروعة،ومازال المسرح يقاوم والمبدع الناسج ينسج بعفويته البربرية …جربة تقاوم
قررت أن اختلي بكتاب “تعلم كيف تحب” الصادر عن دار كنوز النشر والتوزيع طبعة 2018 على شاطىء البحرلفندق الرادسون بلو ، لم ألبث أن استلقي على كرسي الاستلقاء واذا بالنادل الذي لم أعرف من أي صوب أتى، يعرض علي عصير ليمون أغبطتني الفكرة فبدأت القراءة بتأرشف العصيرونسمات البحر على وجهي، أحسست أن فعل الكتابة سيأتي بعدها. .فأستسلمت لصوت صخب الموج وكتاب عزلتي الجميلة.
مغلف الكتاب صورة لإمرأتين جميلتين أم شقراء وإبنة حنطية، تبتسمان للعالم وماما دليلة تظهر كعادتها بحلية تونسية. نادرا مايشدني محتوى المأثرين على مواقع التواصل الاجتماعي لكن هذه المرأة الستينية تملك من الكارزما والحضورما يليق بإعلامية فذة ، حضورها الجميل ينبع من صدق إيمانها برسالتها فهي في مقدمة الكتاب تقول أنه وسيلة تسمح لأي قارئ أن يصل للسلام الداخلي الذي يبدأ من حب الذات. وقد حقق الكتاب ارقاما قياسية في المبيعات داخل وخارج تونس. أما نادرة إبنتها عرفتها من خلال مقابلات تلفزيونية على قناة دبي ورثت نفس الكاريزما عن أمها هي كوتش في تطوير الذات تتكلم عن تجربتها ودخولها لهذا المجال بكل بساطة وبدون طبوهات حيث ذكرت أنها لم تحقق النجاح وسلامها الداخلي إلا بعد ماخرجت من بعبع الألم الذي كانت تعيش داخله ،قالت أنها خلعت قناع الضحية وحررت نفسها بعد بحث وعناء في مجال تطوير الذات لذلك تتقاسم هي وأمها خبرة سنوات من العمل ومتابعة عدة أشخاص إستطاعو أخيرا التخلص من برامجهم السلبية واستبدالها ببرمجة الأفكار الايجابية في الشعور ولكنهما لا تنفيان ضرورة الإيمان العميق بالله الذي خلق هذه الروح لتكون سعيدة بالتواصل المستمر معه أليس هو القائل “لن يغير الله ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم” ويقدم المؤلف في فصله الاخير عدة إرشادات وعادات يجب التحلي بها أهمها الشكر، “وإن شكرتم لأزيدنكم ” والتنفس العميق المراقب، ،تمرين المرآة الذي أعجبني وهو مخاطبة الروح من خلال العين بتوكيدات تعزز الطفل الداخلي وتشفيه، التحكم في الغضب والمشاعر السلبية والتحكم في الافكار، تمرين عدم اصدار الأحكام لمدة معينة، عدم الشكوى، والاستمتاع بتخصيص الوقت لنفسك وهذه ثقافة لم ترسخ فينا في المجتمعات الشرقية عموما وتأكد نادرة على أهمية إفشاء السلام بالحب لأننا لم نخلق أعداء لبعضنا البعض والكلام الايجابي وفن الصمت، تفادي مصادر السلبية،والأشخاص السلبيين السامين ويختم الكتاب على أننا نستيقظ بذبذبات مختلفة المهم أننا نعي ذلك، الحياة تعاش ولا تحلل.والتغيير لا يأتي من العبث كما يقول إنشتاين ” الجنون هو أن تفعل نفس الشيء وتنتظر نتائج مختلفة”
كانت هذه المفاتيح التي يقدمها “تعلم كيف تحب” السلام يبدأ من نفسك أولا. لقد نجحت الكاتبيتين في فتح شهيتي لاني قرأت كتابهما في ظرف قصيير، بلغة فرنسية سلسة وفي متناول القارئ في الأول يأتيك شعور أنك تقرأ ببليوغرافيا لكنها غنية بشهادات حقيقية لأشخاص إستطاعوالتحرر من التجارب المؤلمة والبرمجات الخطأ التي ممكن أن تكون الاسرة او المدرسة أو المجتمع من رسخها، فوجدوا طريقم نحو صحتهم النفسية وسلامهم الداخلي وهذا إنجاز عظيم خصوصا والانسان المعاصر يفقد بوصلته في الصراع اليومي مع الحياة.
نزهة عزيزي
جربة 11/11/2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *