علاء الخطيب/ كلمة

يمكن لعلماء الاركيولوجيا ان ينقبوا عن الاثار المادية ، ومهمتهم الاساسية معرفة نوع القطع الاثرية كالاحجار والاواني الفخارية وغيرها، وهي تصب في الجانب الملموس من التراث والتاريخ ، وبلا شك ان هذا العلم يكشف لنا الكثير من تاريخ الشعوب وعاداتها وثقافتها وانماط عيشها ، لكن هناك جانب اخر في التراث لا يستطيع علم الاركيولوجيا اكتشافه وهو التراث الشفاهي او الموروث الشعبي ” وهو مجموعة الحكايا والقصص” الذي تزيح طلاء الزمن عن عملية تشكيل الوعي المجتمعي وطرق التفكير بالاضافة جانب السلوك الاخلاقي والادبي في عصور خلت .


واذا كانت المتاحف المكان المناسب لحفظ الارث المادي ، فبلا شك سيكون التدوين والكتاب هو المكان الامثل لحفظ التراث الشفاهي .
” بنات واق واق ” للكاتب والشاعر والباحث ورئيس معهد الشارقة للتراث الدكتور عبد العزيز المسلَّم
يتحدث عن حكايا التراث و المخيال الاماراتي في ازمنة ما قبل النفط . يقف بنا الدكتور المسلَّم على شرفة المفردات الشعبية والحكايات القديمة التي كادت تندثر في عصر التكنولوجيا .
واذا ماكانت الجدَّات والاجداد ينقلون لنا الحكايات الجميلة التي تشكل جانباً تربوياً مهماً في حياتنا ، فاليوم وبعد دخول العولمة الثقافية والاجتماعية والتقنية ، أصبح من الصعب ان نحفظ هذا الارث الاجتماعي الكبير الا من خلال التدوين ، وربما عدم حفظ التراث سيُحدث قطيعة حضارية بين الاجيال وبالتالي ستتم عملية الطلاق بين الحاضر والماضي ، فالامم بلا ماضي ولا تاريخ هي أمم مقطوعة الجذور .
ان محاولة حفظ التراث الشفاهي ، محاولة في غاية الاهمية ، تطلعنا على فهم الواقع الذي عاشه اجدادنا وكيف جاهدوا وبنوا هذه البلدان وكم عانوا حتى اوصلوا هذه الامانة لنا وما نحن سوى حلقة في سلسة التاريخ ، هم صنعوا حياتهم و صاغوا حكاياتهم بادوات عصرهم، وعلينا صياغة واقعنا بادوات هذا العصر .
يأخذنا كتاب الدكتور عبد العزيز ” بنات واق واق ” الى حكايا الف ليلة وليلة وشهرزاد الى حلاق بغداد والسندباد الى حيث الخيال الذي يحلق بنا في عوالم رومانسية و جمالية رائعة ، ولكن بطريقته واسلوبه المشوِّق الخاص , اذ يوظف الحكاية الشعبية بطريقة ممتعة وقص لذيذ ، تجد السهل الممتنع في عرض الموروث من خلال حكايات كـ « حكمة امرأة ، نصيب الحطاب ، البيدار والحيَّة ، النوخذة ،النيّة ذهب، حُب الملح، زوجة الطواش ، طويل القامة ونفنوف السعادة، أم حميد ، عويد الحنة ، السلطان والسبع ، التاجر المحتال و بنات واق واق » وغيرها، لنكتشف من خلالها كيف عاش الاماراتيون وكيف بنوا الاوائل مخيالهم الشعبي.
لم تكن القصص والحكايات ممتعة ومسلية فحسب ، بل كانت ذات مغزى اخلاقي، وتربوي ، وهذا ما يجعلها ارثاً حقيقاً لبناء الذاكرة الشعبية .
كاتب «بنات واق واق وحكايات اخرى » ينطلق بك الى عوالم المفردات المحكية الاماراتية المتداولة انذاك و مفردات الطبيعة والعمل. يغوص في الذاكرة الشعبية الى ابعد حدودها ليرسخ في القارئ عملية التواصل الحضاري بين الاجيال.
وانت تقرأ في حكاية ” نصيب الحطَّاب ” تتعرف على شجرة” الغاف ” التي تكثر في الخليج، وتعتبر من الرموز الوطنية الامارتية، الشجرة التي تتحمل الجفاف، وتبقى خضراء حتى في البيئات الصحراوية القاسية.
وتنتقل بين ثنايا الكتاب لتقرأ حكاية «البيدار والحيَّة» تستوقفك كلمة البيدار، وهو الفلاح او المزارع وان كانت الكلمة مأخوذة من كلمة البيدر، لكنها غير مستخدمة في الادبيات العربية ، وهي مفردة اماراتية معروفة .
وفي حكاية” أم حميد ” تطالعنا. مفردة الزطوط وهم الغجر ، وهم قبائل رحل تعمل في الغناء والرقص والعزف على الطبول .
وتبحر مع الدكتور المسلِّم في كتابه الشيق لتدخل الى عالم البحر وصيد اللؤلؤ و تراتبية مجتمع مهنة الصيد ، والمسميات والالقاب التي تطلق على المشتغلين في هذه المهنة التي مارسها الاجداد .
وتقرأ في حكاية ” النوخذة ” كلمة « سردال» وهو كبير الربابنة ، وهي كلمة خليجية بحته وتعني قائد أسطول السفن أو أمير الحملة .
ثم تتابع القراءة وتقرأ كلمة « سنيار » وهي قافلة السفن المتوجهة لسبر اغوار البحر واستخراج مكنوناته من خلال عملية الغوص .
و كذلك يطرق سمعك كلمة ” المفالق ” وهي آلة تستخدم لفتح اصداف المحار
ومفردة اخرى ” الهير ” وهي مغاصات اللؤلؤ .
وفي حكاية ” زوجة الطواش ” يعرفنا على معنى الطواش وهو تاجر اللؤلؤ .
وفي حكايةٌ ” حُب الملح ” يكرس فيها مقولة شهيرة عند العرب ” الملح والزاد” او ” خبز وملح”
ففي موروثنا الثقافي الذي يعرف الملح كرمز لتوثيق العلاقة الانسانية ، حيث يقول معظم العرب فيما يخص الملح عندما يريدون أن يبينوا مدى ترابطهم ببعضهم البعض بقول «بينّا زاد وملح»
الحرث في الذاكرة الشعبية وبنائها، وترسيخ العادات والتقاليد ونقلها للاجيال القادمة مهمة ليست سهلة كما يعتقد البعض ، بل هي عملية صعبة، فهي صلب عملية التواصل الزمكاني.
ففي حكاية نفنوف السعادة توظيف جميل لثنائية السعادة والتعاسة ، فليس كل من يحصل على المال او المنصب هو سعيد وليس الفقير هو تعيس ، السعادة والتعاسة مرتبطتان بروح الانسان ونزعاته النفسية .
يسجل الدكتور عبد العزيز المسلِّم هذه الحكايا لتكون مرجعية تراثية وذاكرة وطنية ، يستفيد منها الباحثون والفنانون والدارسون. وغيرهم .
فهناك عوامل ضاغطة للزمن قد تجعل من التراث شيء من الذكريات ، ولكن تدوين الموروث الشعبي يمنح المجتمع زخماً كبيراً للتمسك به ومعرفة جذوره .
في الموروث الشعبي الكثير من المفاهيم التي وظفت في القص والحكايا مثل الزواج والطلاق والقسمة والنصيب والنذر لوجه الله والطلب من الله ، والسعادة والحزن والاتصال به ، وعلاقة الكنة بام الزوج العلاقة المتأزمة أزلياً كما تصورها الثقافة العربية ، وقصص الجن .
كما في حكاية “عويد الحنة” الجميلة التي تحلق بالقارئ الى عالم الحلم الوردي .
وفي قصة “ميرة والهام” تستخدم الحكاية اللامعقول في سردٍ يسلب لب القارئ، في كيفية اختطاف الجن ” الهام ” للفتاة الجميلة ” ميره ” وكيف انها انجبت من الجني ولداً ويكبر الوالد ، فيأتي أخاها لينقذها. من الجني ، لكن تقترب الحكاية من الواقعية في كيفية محاربة قوى الشر بالشر والخديعة بالخديعة ويوظف صاحب الحكاية الشعر والغناء بجمالية رقيقة فينشد ابن الهام شعراً :
خالي خلخل تحت المنخل
خالي خلخل تحت المنخل
كما استخدم الشعر من قبل في حكاية ” أم حميد” و “دواء الحمل ” وعزيز باسلوب مسرحي استعراضي مبهر لايصال رسالة عبر قالب جمالي .
كما يوظف الامثال الشعبية ، كما في حكاية “عزيز” « من طول الغيبات ياب الغنايم»


ولعل واحدة من الحكايات التي يضمها الكتاب وهي الثيمة الاساسية لتسمية الكتاب هي ” بنات واق واق ” الحكاية المثيرة التي يختلط فيها السحر بقوة الارادة لتنتصر ارادة الخير والحب في النهاية حينما تأخذ الجنية الساحرة ولدها وزوجها المعاق وتهرب و والدها يلاحقها لكنها تتغلب على الشر وتنجو هي وزوجها وولدها.
تعالج اغلب الحكايات والقصص قضايا اجتماعية تتعلق بالانجاب والزواج والخيانة والوفاء والحب بمنظور خيالي رومانسي بجرعات أمل متخيلة ، تساعد في النهاية على تحمل ضنك العيش وقسوة الحياة.
توفر حكايات الموروث الشعبي مساحة من المتعة والتصور الجمالي ، و تسلية بطريقة محببة، لكنها في الوقت ذاته تعتبر معالجات اجتماعية تناسب الزمن الذي اطلقت فيه .
قصص ” بنات الواق واق وحكايات اخرى ” امتزجت فيها عناصر كثيره دينية وثقافية واجتماعية وبيئية وعناصر اخرى ، مما منحها قبول يلائم الوعي المجتمعي انذاك .
هذا الجهد الكبير والمهم الذي قدمه الدكتور عبد العزيز المسلَّم سيسهم بشكل كبير في ارشفَّت الذاكرة والهوية الوطنية لبلده ، كما سيساعد على مد الجسور بين الماضي والحاضر عبوراً للمستقبل ، بفهم أعمق لعملية التطور الاجتماعي الذي اوصل الامارات الى مصاف الدول المتقدمة بل المثال الذي يحتذى به، والمحافظة على. يرسخ الهوية والثقافة والجذور ويحفظ الهوية ويصنع المستقبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *