عبدالسادة البصري

منذ نعومة أظافري ، وحين تفتّحت عيناي على القراءة والكتابة ، عرفت أن كلّ كلمةٍ تمنحني شيئاً من الخُلُقِ الحَسِن ، وتهذّب كلامي وتصرفاتي ومعاملتي مع الناس ، وما أن عبرتُ أشواطاً في القراءة والكتابة حتى سكنتني الطيبة وحب الوطن والتسامح والمحبة والتواضع ونكران الذات ــ أتمنى أن لا يُحسب كلامي هذا غروراً ، أو تملّقاً ، أو تمسكناً أبدا ــ بل هو الحقيقة ، و حياتي التي أعيشها وأعمل بها مع الجميع !!
ومنذ صغري وأنا أحمل الطيبة التي زرعاها في روحي ونفسي أبي وأمي ( يرحمهما الله ) ، بالإضافة لما استنشقته وشربته من فضاءات القرية وماء الشط ورائحة الأرض وطلع النخيل وسقسقة البلابل وهديل الحمام ، وما صقلتْهُ القراءة والسياحة في أدب الشعوب والأمم ، وما توارثناه من عادات وتقاليد حميدة طبعا!!
أفضْتُ بكلامي هذا ، وتحديداً هذه الأيام ، لأنني اشعر بالألم والحسرة على ما يتفوه به البعض ممن يرفعون شعار الكلمة سلاحهم ومصباح هدى وسبيلا لحياتهم ،لأنني أقرأ هنا وهناك كلمات لا تمت للأخلاق والإنسانية بصلة وكأننا أعداء لابدّ أن نقتصّ من بعضنا !!
ــ هل من المعقول أن يسكننا كل هذا الكره والبغضاء لبعضنا ؟!
ــ هل يعقل أن يحقد الإنسان على أخيه الإنسان كل هذا الحقد لدرجة سفك دمه أو المطالبة بقتله دون أدنى سبب ؟!
ــ هل .. هل .. هل … ؟!
تساؤلات كثيرة سكنتني وأوجعت قلبي وروحي !!
ــ ما الذي يجبرنا على فعل ذلك ؟!
ــ ما الذي يجعلنا شتّامين وحاقدين ومصاصي دماء إلى هذا الحد ؟!
ألم نقرأ التاريخ جيدا ؟! ، والأدب كذلك ؟!
ألم نطّلع على أحداث مرّت وسجّلت الصفحاتُ لأصحابها ومَنْ ساهم فيها مواقفَ كانت خيراً أم شرا ؟!
ألم ننبذ الأشرار والشتّامين ومثيري البغضاء والمتنابزين بالألقاب والمتملّقين وحاملي الحقد والحسد ، لأنهم أشعلوا الحرائق هنا وهناك وسفكوا دماءً بريئة ؟!
ألم نشمئزّ من كلمات هذا الكاتب ونعتبره محرّضا على العنف والتقاتل والجريمة ، ونعشق كلمات ذاك لأنه يوصي بالمحبة والتسامح والتآخي ؟!
ألم نتّعظ بعدُ من كل ما حدث في الماضي وما يحدث الآن ونفتح قلوبنا وأرواحنا لفجرٍ آخر نسائمه الحب والحياة ؟!
أما كفانا سفك دمائنا ؟!!
أنهارنا اصطبغت بالدم ، وأرضنا اصطبغت بالدم ، وريقنا صار مُرّاً علقماً من الدم !!
لماذا لا نفتح صفحاتٍ جديدةً من المحبّة والتسامح والتآخي ، ونفوّت الفرصةَ على مثيري النعرات والطائفية ومشعلي الحرائق وخفافيش الظلام ، ليسقطوا في شرِّ أعمالهم ؟!
صدقوني :ــ مَنْ يريد بكم الشرَّ لا يحبكم أبداً !!
ومَنْ يسرق أرضكم وخيراتكم لا يحبكم أبداً !!
ومَنْ يعطّل زراعتكم وصناعتكم لا يحبكم أبداً !!
ومَنْ يخرّب التربية والتعليم لا يحبكم أبداً !!
ومَنْ يرقص على مشاكلكم وجراحكم لا يحبكم أبداً !! ومَنْ … ومَنْ … لن يحبكم أبداً مهما تملّق لكم بالكلام المعسول ، ودغدغ مشاعركم !!!! انتبهوا على حالكم ، وانبذوا القاتلين ، والسارقين ، والمخربين ، الأولين والحاليين ، لأن الأولين فاشست سرقوا أعماركم بالحروب والاعتقالات والإعدامات والتشريد ،، والحاليين فاسدين سرقوا كل شيء وخرّبوا البلاد وأذاقوا العباد الهوان بعدما قتلوا الشباب بدم بارد !!
ولأن الشباب نزلوا للساحات والشوارع يريدون وطناً خالٍ من هؤلاء وأولئك ، فما علينا إلاّ أن نكون يداً واحدة وقلباً واحداً وكلمةً واحدةً وروحاً واحدةً وضميراً واحداً وعقلاً واحداً ، لنرسم وطناً يليق بنا حتماً !!
بالحب والتسامح والإخلاص والانتماء الحقيقي سنجعل الخائن والحاقد والمندّس والمريض نفسيا في خانة الرفض والعزل بعيداً عنا ، ونبدأ بالبناء والعمران والزراعة والصناعة وقبل كل شيء التعليم والثقافة !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.