تقرير_مريم ماجد/ كلمة

يقدمها والدها لمن يبحث عن المتعة ويجبرها على ممارسة الجنس مع أشخاص مختلفين وفي أماكن مختلفة من أجل الحصول على المال. تقرف (ع. س) السبعة عشر عاماً، حياتها جرّاء ما ما تتعرض له من الانتهاك الجسدي والنفسي وبدأت تفكر الانتحار، لأنها لا تجد طريقة أخرى من ظلم والدها الذي يبرر اجبارها على الدعارة بالفقر والعوز. وهو نفس التبرير الذي أوجده لاجبارها على الزواج وهي لم تتجاوز 15 سنة. “هذا اقل ما تفعليه وتقدميه للعائلة بعد طلاقك”، هكذا تروي (ع. س) كلام والدها.
تزوجت (ع. س) قسراً في سن الخامسة عشر على الرغم من رفضها الزواج لرغبتها الشديدة لاكمال دراستها، الا ان والدها رفض ذلك بحجة الوضع الاقتصادي ولكثرة اعداد افراد اسرتها. لم يكن امامها الا القبول بالزواج رغما عنها ، ومرت بها الايام واذا بزوجها لا يملك عملا لاعالة الحياة الزوجية والعائلة. من هنا بدأت صعوبات حياتها اليومية ومعاناتها، الأمر الذي أدى الى الانفصال بعد ستة اشهر من الزواج.
اعتقدت (ع. س) ان انفصالها انهى كل معاناتها وستعود الى دراستها من جديد وتسعى لتحقيق حلمها بأن تكون مهندسة، الا ان والدها لا يأبى من سعادتها شيء سوى الحصول على المال ويبقى هو جالسا في البيت بلا عمل، فبدأ يجبرها على ممارسة الجنس مع اشخاص مختلفين وبشكل يومي وهي مستمرة على هذا الحال منذ سنتين. تشمئز من هذا الوضع المهين وما تتعرض له يوميا من تصرفات رجال غرباء، فهناك المخمور ومدمن المخدرات يمارس معها الجنس ويعنفها مقابل مبالغ تذهب الى جيب والدها الذي تخاف منه جدا اذ لا تتجرأ للشكوى ضده في دائرة الحماية من العنف الاسري. لم يبق أمامها سوى التفكير جديا بالانتحار او الهروب من الدار للتخلص من حالها المأساوي.
هذه القصة واحدة من قصص مختلفة ومتنوعة بدأت تنخر المجتمع الذي بدأ ينتشر فيه استغلال النساء بأشكال عدة، تارة بين بيعها للتبني وبيع الاعضاء البشرية، وتارة اخرى للتسول وتجارة الجنس. وسبق ان أعلنت خلال مديرية مكافحة الاجرام التابعة لوزارة الداخلية في بغداد عن حالات القاء القبض على مجرمين يمارسون اعمال المتاجرة بالاعضاء البشرية لذويهم او بيعهم لغرض التبني مقابل اموال ويتم احالتهم الى القضاء، انما دون ان يشكل رادعاً قوياً لمنع استغلال النساء.
ضعف المنظومة الاجتماعية
وتبين وكيل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الدكتورة عبير الجلبي ان ظاهرة بيع البنات من قبل ذويهن اخذت تتسع في العراق بسبب ضعف المنظومة الاجتماعية والأخلاقية، خاصة ان البيئات الاسرية والمدرسية للتربية والتعليم، ناهيك بالفقر والعوز وغياب مؤسسات الدولة القانونية، في حالة تراجع دائمة. وتنوه الجلبي الى انه في عام 2012 شرع قانون28 لحماية ضحايا الاتجار بالبشر وبموجبه شكلت لجنة عليا برئاسة وزارات الداخلية بمساعدة اختصاصات متنوعة مثل العمل، الصحة، التعليم العالي، التربية ومجلس القضاء الأعلى. ترسل اللجنة المهام الى بقية الوزارات لمعالجة المشكلات الاجتماعية الناتجة عن التفكك والفقر. وتوضح في هذا السياق بأن ظاهرة بيع الاعضاء البشرية بدأت تتسع وتتطور بتطور الأدوات والإمكانيات، مثل انتشار المخدرات التي تساعد العصابات على خلع اعضاء بشرية دون ان تعلم الضحايا بذلك. ويضاف الى ذلك بحسب الجلبي بروز ظاهرة زنا المحارم وزيادة اعداد كريمي النسب والاتجار بالبنات، مقترحة التخلص من هذا الواقع المرير عبر الإصلاح الاجتماعي، القوانين المدنية والقيم الثقافية والدينية. “لا بد من تظافر كل الجهود من خلال جميع الجهات ذات العلاقة، وذلك عبر رسم خطة محددة والتأكيد على تنفيذها ومتابعتها من قبل الجهات الحكومية العليا لوضع حد لجميع الانتهاكات بحق النشاء”، تقول الجلبي.
القانون العراقي والاتجار بالبشر
وقال القاضي عبدالستار محمد رمضان ان القانون العراقي تناول جريمة بيع البنات من قبل ذويهم في قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 من خلال تحديد الوصف الدقيق لجرائم الاتجار بالبشرفي المادة(1/أولاً)(.. لنيل موافقة شخص له سلطة او ولاية على شخص اخر بهدف بيعهم او استغلالهم في اعمال الدعارة او الاستغلال الجنسي..)، والعقوبات التي قررها في المواد(5و6و7) التي تدرجت بالعقوبات المقررة على كل جريمة حسب ظروفها، وظاهرة بيع البنات من قبل ذويهم نصت عليها المادة(6/خامساً) اذ يعاقب بالسجن المؤبد وغرامة لاتقل عن15 مليون دينار ولا تزيد على25مليون دينار كل من ارتكب جريمة الاتجار بالبشر (اذا كان الجاني من أصول المجنى عليه او فروعها وممن له الولاية عليه أو زوجاً له). وتكون العقوبة الاعدام اذا ادى الفعل الى موت المجنى عليه حسبما قررته المادة(8).
ولفت الى ان القانون العراقي قد تناول هذه الجرائم في العديد من تشريعاته، مثل قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 الجرائم التي تمس الاسرة (المواد376- 380) والجرائم المتعلقة بالبنوة ورعاية القاصر وتعريض الصغار والعجزة للخطر وهجرالعائلة (المواد 381 – 385) والجرائم المخلة بالاخلاق والاداب العامة (المواد 393 -404)، وقانون رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980 لحماية القاصرين من الاستغلال بشتى صوره، و قانون رعاية الاحداث رقم 76 لسنة 1983 لحماية الاحداث من الاستغلال او الجنوح، وقانون مكافحة البغاء رقم 8 لسنة 1988، وفي دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة (37/ثالثاً)(التي نصت على تحريم الاتجار بالنساء والاطفال والاتجار بالجنس).
ويؤكد القاضي على ضرورة معالجة الظروف التي ترهق الكثير من العوائل بسبب الفقر وعدم وجود مورد مالي يكفي للمعيشة وازمة السكن والعشوائيات وساكني التجاوز وحرمانهم من أبسط ضروريات الحياة والبطالة وانعدام الامن الغذائي وتسرب الاطفال من الدراسة والتعليم وغيرها من الظروف التي تقع مسؤوليتها على الدولة لأنها تحتاج إلى إمكانيات وموارد ودراسات لمعرفة المناطق الاكثر فقرا وحاجة. وأشار في ذات السياق الى اسباب أخرى مثل العنف الاسري والطلاق و المخدرات واليأس الذي ينتشر في المجتمع والذي يدفع الكثيرين الى الانتحار الحقيقي بقتل النفس وإنهاء حياتهم او الانتحار بطرق أخرى ببيع أبنائهم والانحراف والاجرام.
ويرى القاضي رمضان ان القوانين لوحدها لا تكفي ولا يمكن تحقيق كامل اهدافها بالعقوبة فقط بل يجب اعتماد ستراتيجيات وخطط وبرامج لمعالجة ظواهرومشكلات عديدة ترتبط بهذه الظاهرة مثل المخدرات والعنف الاسري وزيادة حالات الطلاق والبطالة وسوء الاوضاع الاقتصادية وانتشارالفقربالمجتمع، بالاضافة الى اتباع سياسة الوقاية والمنع والارشاد والتثقيف من خلال مناهج التربية والتعليم ووسائل الاعلام والاتصال وتطبيق نظام الحماية والرعاية الاجتماعية على الطبقات الاكثر حاجة كالاطفال والنساء وتحقيق التنمية الاقتصادية والتوزيع العادل للثروات ومكافحة الفساد بشتى صوره وآثاره وتطبيق القانون وبناء مجتمع قائم على المواطنة ويسود فيه حكم القانون على الجميع.
البيت الامن
يعد البيت الآمن أحد مراكز الإيواء للنساء المُعنفات والهاربات من العنف الاجتماعي تم افتتاحه عام 2017 في العاصمة بغداد، ويسع لمئة سرير حاليا توجد فيه 7 بنات الآن. وتشير مديرة البيت الآمن وسن حسين خضير الا ان هذا العدد غير ثابت لأن نظام القبول فيه يعتمد الدخول والخروج من الدار. وتقول وسن خضير، “تم الاحالة الينا بقرار قاضي من مركز الشرطة او من المحكمة المختصة او مكاتب الاتجار بالبشر كرخ ورصافة، ويتم اجراء فحص كورونا وسونار حمل عند دخول الضحية الى الدار، والتأكد من الامراض السارية والمعدية اذ يجب ان تكون صحتهن جيدة”. ويتم تعريف الفتيات بعد اصدار قرار الايداع لهن بالالتزام بتعليمات الدار واخبار القائمين على البيت الآمن إذا كانت الهاربات يعانين من امراض مزمنة، ناهيك باحتياجهن للملابس والاحتياجات الضرورية ووسائل التنظيف والطعام. وتوجد زيارات دورية لهن من الاطباء المختصين بالأسنان والأمراض العامة والأمراض النفسية او حالات طارئة تقتضي ايصالهن الى مستشفى النعمان الحكومي وفقا للرقعة الجغرافية.
وتشير وسن خضر الى ان الدار يتابع قضية الضحية مع المحاكم المختصة لحين انتهاءها، وإذا كانت ترغب بالعودة الى اهلها حيث يتم ذلك بعد اصدار قرار من القاضي وتعدهم بعدم تعنيفها، فضلاً عن بعض الحالات لا يرغبن البقاء في الدار. وفي هذه الحالة تشكل لجنة وزارية برئاسة الدار ومن وزارة الصحة والعمل وعضوية معاونين للنظر في قضيتها. ويتم عقد جلسة بعد مرور ثلاثة أشهر من دخول الضحية الى الدار بغية مخاطبة الجهات المختصة للتأكد من سلامة موقفها القانوني لان مكانها سيكون مجهولا، أو إذا أرادت الضحية إبقاء عنوانها سرّياً. وتلتفت المتحدثة الى ان عدم قدرة الضحايا على تكملة التعليم بسبب عدم امتلاكهن الأوراق الثبوتية، انما ينظم المركز دورات تأهيلية من خلال المنظمات ومركز تدريب تابع لوزارة العمل مختص بالخياطة او الرسم او اعمال يدوية. وبحسب مديرة البيت الآمن، “اغلب البنات اللواتي لجئن الى هذا البيت، هُن من المتزوجات القاصرات أو الهاربات من بيوتهن بعدما تعرضن الى الاتجار بالبشر وهن تحت السن القانوني”.
الإصلاح
وترى الاكاديمية والباحثة في الشأن الاجتماعي الدكتورة ندى العابدي ان بيع البنات من قبل ذويهن لا تزال حالات فردية هنا وهناك وربما الاعداد التي تظهر تحت الانظار لا تمثل الارقام الحقيقية لان الموضوع حساس ومحاط بالسرية ويفلت من قبضة العدالة ولا توجد رقابة جيدة. وتقول بهذا الخصوص، “اننا اذا اردنا البحث في النتائج علينا ان نعرف الأسباب وهي كثيرة في مجتمعنا قبلي حيث تسيطر عليه افكار وتقاليد متوارثة تعطي الحق للرجل كي يكون متسيداً على المرأة وتجريدها من الحقوق”. وتشير الباحثة الى ان فقدان التعليم والفقر وغياب القانون، كلها عوامل تساعد على تقوية سلطة العشيرة واستمرار الظلم بحق النساء.
وتؤكد ندى العابدي على ان انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتسليط الضوء على الفضائح وحالات الجنوح يزيد قلق العوائل على الفتيات، الأمر الذي يدفع بهم الى تزويجهن في سن مبكر، فضلا عن ان زيادة انتشار المخدرات حيث ساهم كثيرا في استفحال الأزمات الاجتماعية في العراق. بناءً عما تم ذكره، تؤكد الباحثة على ضرورة تجفيف منابع الاتجار بالنساء والاحتكام تالياً الى القوانين وقطع اسباب الفقر، التخلف والأمية، خاصة ان التعليم هو العامل الرئيسي لرفع الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكن المرأة من حماية وصون حقوقها.
وفي السياق ذاته، يؤكد الباحث الديني الشيخ حسام البغدادي على دور عمل رجال الدين والاعلام ومنظمات المجتمع المدني في توعية الناس ووضع حد للمشكلات الاجتماعية والأخلاقية التي تضر بالاقتصاد والمجتمع، موضحا ان زيادة هذه الحالات تعزى الى امرين الاول الجهل المستشري بين افراد المجتمع واختراق الاعراف والتقاليد، وثانيا الفقر الذي يدفع الاباء الى بيع بناتهم، وان المجتمع لا يريد ان يساعد نفسه في رفض الظلم او الجهل والعرض الرخيص، فضلا عن عدم تشكيل حكومة عادلة تصلح حال المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *