أ.د. صلاح الفرطوسي

مر زمن جاوز النصف قرن يوم اصطحبت زوجة خالي من النجف إلى بغداد رفقة طفلها الذي فقد حاستي النطق والسمع، وسلمته إلى إدارة مدرسة أصحاب الاحتياجات الخاصة الوحيدة في العراق آنذاك والدموع تنسكب مدرارًا من عينيها، وقد حاولت تهدئتها من دون جدوى، فليس من الهيّن على أمٍّ ترك فلذة كبدها في تلك المدرسة النائية بالنسبة لها، ولكنها أصابت بقرارها الصعب ذاك، واستطاعت من بعد انتشاله من مصير لا تحمد عقباه.

ولم يكن من السهل على ذوي الأطفال المصابين بتلك العاهةوغيرها ترك فلذات أكبادهم من دون معرفة ما يجري لهم، ومن دون زيارتهم للاطمئنان عليهم إلا بين حين وآخر.

ومرت خمسة أعوام قد تزيد وتلك السيدة المكافحة تزور ولدها اليتيم كل أسبوع تراقب تطور سلوكه، وتتعرف على حالته ومدى تقدمها على الرغم من وضعها المادي الصعب، وما إن أنهى مراحلدراسته حتى عين بعد سنوات بمهنة مناسبة لقابلياته العقلية؛ وقد أحيل على التقاعد منذ فترة وجيزة بعد خدمة جاوزت أربعة عقودفي المؤسسات الطبية، ولولا تلك الأم الصابرة المحتسبة ما استطاع ولدها أن تقوم له قائمة، أو يستطيع العيش بمستوى اقتصادي مريح.

وكان أخي الدكتورعبد الرزاق العيسى يتحدث بين حين وآخر عن مدرسة لأصحاب الاحتياجات الخاصة تأسست في النجفالأشرف، وكانت ابنته إحدى طالباتها، ولم أكن أتوسع بالحديثمعه عن المدرسة أو عن وضعية ابنته الصحية ومدى تقدمها خوفًا من إحراجه أو خدش مشاعره، بل لم أكن أتحدث مع أخيتيالدكتورة أم أنس حينما أراها في هذا الموضوع مطلقًا.

مطلقًا.

 

وكانت أم أنس بحسب زوجتي زميلتها في الدراسة الإعدادية من ألمع الطالبات وأذكاهنّ، استطاعت بسبب مثابرتها وجدها أن تتخرج في كلية الطب، وتنهي من بعد التدرج الطبي وتحصل على اختصاص في الأمراض النسائية، وسارت حياتها رفقة زوجها الدكتور العيسى على خير مسار على الرغم من معانتهما في ذلك الزمن الصعب الذي لم ينج منه بيت من بيوت العراقيين، إلى أن رزقهما الله بطفلة اكتشفا بعد مدّة أنها مصابة بمتلازمة داون بسبب خلل في الكروموسومات

وبحسب صلتي بالدكتور العيسى كنت أعجب من ترك زوجته طبيبة الاختصاص النسائية كيف تفرط بمهنتها وتتركها، وقد اقترحت عليه مرّة أن تشاطر زميلتها عيادتها، ولكن من دون جدوى، ولم أكن على دراية بسرّ قرارها الذي يدعو إلى الحيرة والدهشة والعجب إلا بعد حين. وحينما علمت بقرارها ذاك، تبين لي أنها اتخذته للتفرغ لرعاية ابنتها لتمكينها من مواجهة الحياة من بعد، فقد عزّ عليها أن تواجه أصغر أطفالها الحياة التي تنتظرها فتكون موضع شفقة أو إهمال أو استهزاء من لداتها، فأرادت أن تأخذ بيدها بأية طريقة، ونجحت، ولم تذهب تضحيتها سدًى.

كان لزامًا على تلك الطفلة أن تأخذ طريقها إلى مدرسة متخصصة كي تتجاوز علتها وتنتصر عليها، ولم يكن من السهل على والديها إرسالها إلى بغداد فتعيش بعيدة عنهما، إذ لم تكن هناك من مدرسة متخصصة لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في النجف أو في غيرها من المحافظات القريبة، فكان قرارهما فتح مدرسة خيرية على نفقتهما الخاصة تستوعب أطفال المدينة الذين كتبت الإعاقة عليهم، فخصصا دارهما لذلك المشروع الخيري الفريد، كي يكون مبرة لا ترعى طفلتهما فحسب، وإنما تشملجميع الأطفال في النجف وغيرها من المناطق المجاورة، وهو أمريحتاج إلى كادر متدرب صعب أن تعثر عليه في المحافظة التي ما كانت تُعنى بمثل تلك الأمور، وبعد جهد جهيد استطاعا تذليل هذه العقبة الكأداء أيضًا، وتحملا تكاليفها المادية كاملة من دون طلب مساعدة أو عون من أحد.

وكنت أظن من قبل أن وزارة التربية هي التي أسست تلك المدرسة، وهي التي تشرف عليها كبقية المدارس التابعة لها، وهي التي تنفق عليها، وهكذا ظن كثر من الناس حتى يومهم هذا، وحقّ لهم الظن، فوالد ديمة من شخصيات المدينة المرموقة، أدار جامعة الكوفة من قبل فأحسن إدارتها، حتى اختيرت أفضل جامعة فيالعراق، واختير هو من بعد أفضل رؤساء الجامعات العراقية، ثم أصبح من بعد وزيرًا لثلاث وزارات في آن واحد، التعليم العالي والعلوم والتكنلوجيا، والمالية. وليس كثيرًا على مثله إقناع رئاسة الوزراء بفتح مدرسة لأصحاب الاحتياجات الخاصة، هكذا كنت أظن، وهكذا ظن غيري ممن سمع عن تلك المدرسة.

وكانت مناسبة بالنسبة لي زيارة تلك المدرسة رفقة الدكتور العيسى بمناسبة معرضها الذي يقيمه طلبتها، ويوم دخلتها رأيتها عروسًا ترفل بالسحر والجمال، بنشاط يصعب أن تراه في مدارس رياض الأطفال وغيرها، فقد زينت جدران المدرسةوصفوفها وغرف المدرسات والإدارة وقاعتها بصور تربوية جميلة رسمت بألوان زاهية، وبأعمال يدوية فنيّة، وجميعها صنعتبأنامل طلبتها من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وحين التقيت أطفال المدرسة رأيتهم لا تفارق الابتسامة وجوههم، تطفح وجوههم بالبشر والسرور كأنهم من عصافير الجنة، يضحكون في وجوه الزائرين من دون استغراب أو وحشة.

وعلمت أن بعضهم قطع مرحلة متقدمة، وقد تحسنت وضعيته الصحية كثيرًا، وبعضهم مازالوا في بداية الطريق، واستمعت من كادر المدرسة إلى حكايات عن طلبتهم وأخر عن آباء الطلبة وأمهاتهم حول سعادتهم بتك المؤسسة التي ليس لها من مثيل في وسط العراق؛ وكانت ديمة التي تخرجت في تلك المدرسة ووالدتها السيدة الكريمة الدكتورة أم أنس وسط ذلك المجموع ترحب بالزائرين وتشرح لهم خطوات الدراسة رفقة المديرة والمعلمات، وفي هذه الأثناء زار المدرسة رئيس الجامعة التقنية يحمل هو ومن معه هدايا مناسبة للطلبة كي يدخل الفرحة على نفوسهم.

وحين رأيت أم ديمة، ظننتها جاءت زائرة بمناسبة المعرض كبقية الزائرين، ولم أكن أعلم أنها راعية تلك المدرسة والقائمة عليها رفقة زوجها طيب الذكر الدكتور العيسى، وأصبحت ديمة بعد تخرجها تصاحب والدتها في زياراتها، وكأنها قد شفيت تمامًا من تلك العلة، وتمكنت من بعد دخول معهد فني يعنى باختصاصات مختلفة.

في أثناء مداولات الدكتور مع كادر المدرسة علمت أن تلك الدار التي تبلغ مساحتها قرابة ستمائة متر أو تزيد هي دار سكناهم القديمة تبرعا بها لتأسيس هذا المرفق الحيوي، وعلمت أيضًا أن ما ينفق على المدرسة شهريًا يقارب الثلاثة ملايين دينار ويزيد، لتغطية رواتب الكادر التدريسي ورواتب العاملين بها، وبقية احتياجات المدرسة، وما أدهشني أني علمت أنهما يرفضان قبولأية مساعدة أو دعم من أحد لتلك المبرّة. وذكر الدكتور عبد الرزاقأنه في أثناء التفكير بمشروع المدرسة أن ابنة أخته الطبيبة رشا كاظم اللامي تبرعت بجميع هدايا زواجها للمشاركة في إنشاءالمدرسة واستمرت بالمشاركة في تمويل المدرسة.

كنت أكبر مقام الدكتور العيسى من قبل لما أعرفه عنه من بياض ردائه وسخائه ورعايته المنظورة التي أعرفها وغير المنظورة للفقراء والمحتاجين من معارف ومعوزين، وبسبب قربي منه قدرت أنه ينفق قرابة نصف راتبه يوم كان وزيرًا لثلاث وزارات في آن واحد على أعمال الخير، ولكن حين علمت بتأسيس هذه المدرسة، وهو عمللم يجرؤ أحد من أصحاب الأموال القيام بمثله، وبالتضحية الكبيرة التي قامت بها زوجته كبرا في عيني مرات ومرات، فدعوت الله أن يتقبل عملهما بقبوله الحسن، وليت غيرهما يقتدي بهما في هذا الزمن الصعب، وهي مبرّة لابد أن تحتسب في ميزان حسناتهم.

ولقد تمنيت على محافظة النجف الأشرف ممثلة بمحافظها المهندس الهمام، وعلى رئاسة جامعة الكوفة ممثلة برئيسها المحترم، وببقية المؤسسات الثقافية والمدنية، والوجوه المعنية بالخدمة العامة الاحتفاء بالقائمين على هذه المؤسسة الرائدة، وتكريمهما التكريم الذي يستحقانه؛ وزيارة المدرسة بين حين وآخر لتشجيع القائمين عليها، وإدخال الفرحة على كادرها وطلبتها، وهم بمبادرتهم يشجعون الخيرين على إقامة بعض المبرات التي تخدم المجتمع في مدينة إمام المتقين عليه السلام.

                                                                                                   أ.د صلاح مهدي الفرطوسي

                                                                                                  مؤسسة بقيع الكوفة للحوار والدراسات الفكرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.