أ.د.ضياء واجد المهندس

كنَّا نتعلَّمُ القراءةَ الخلدونيةَ في الدراسة الابتدائية بأوَّلِ الكلماتِ: ( *دار ..دور..داران* )، وعندما نسألُ المعلِّمَ عن المعنى، كان يُجيبُ بحسرةٍ ( *دارنا ليس بيتنا بل وطننا، و مَن لا دارَ له، لا وطنَ له* ) ..
وعندما سألتُ خالي عن معلِّمنا فيما بعد، وكان صديقه، أجابني: معلِّمكم كان ساكن إيجار، لا يملك أرضًا أو شِقَّةً أو دارًا..

*للعلم، عديد سكان العراق إلى مساحته لا يؤشِّر إلى وجود عَوَزٍ في الأراضي أو الموارد بل إلى جهل و فساد و ظلم الحكومات* ..

خلال أقل من خمس سنوات إستطاع زعيم الشعب (عبد الكريم قاسم ) أن يوفِّرَ أرضًا وسكنًا لخمسة ملايين مواطن عراقي، و مات مقتولًا بيد البعثيين وهو لا يملكُ بيتًا أو شِقَّةً، في حين أنه كانَ أكبر رُتبةٍ عسكريةٍ في الجيش العراقي.. و الأغرب أنه تبرَّعَ بأرضٍ ورِثها من أهله إلى الدولة لتكون إعداديةً في مدينة الصويرة (مسقط رأسه) لا تزالُ باسمه إلى الآن..

عندما اشتريتُ أرضًا في العام ٢٠٠٢ من أحد قيادات الحرس الجمهوري الخاص، أبلغني أنها قطعة الأرض الخامسة التي يستلمها من الدولة، في حين كان الجنود الذين يذودون عن الأرض والعِرض لا يملكونَ شبرًا واحدًا…

قال لي صديقٌ ذاتَ مرةٍ: أنَّ تاجرًا سياسيًّا فاسدًا كان يُبَلِّغُ مَن يعمل معه أن يشتروا له عقاراتٍ و أملاكًا في أي مكانٍ لأنَّ لديه أموالًا لا يعرف أن يَضَعها بعد أن أثارت حوالته إلى (لبنان وايران و تركيا و بيلاروسيا و أذربيجان و أوكرانيا و الإمارات) ريبةً و مشاكلَ..

و *المُعلَنُ أنَّ حجمَ ما فقدَهُ العراقُ من أموالٍ مُهرَّبةٍ و مودَعَةٍ في مصارف لبنان و إيران و أوكرانيا تجاوزت ال (100) مليار دولار كلُّها من تهريب النفط و المشاريع الوهمية و الموظفين الفضائيين و بيع ممتلكات الدولة و مزاد العملة و العمولات الفاسدة من المشاريع ..*

عندما كنتُ في بلجيكا عرَضَ علَيَّ صديقٌ بلجيكيٌّ من أصول سورية أن أشاركَهُ في غسيلِ أموالٍ عراقيةٍ مقابلَ نسبة(1٪)، في حين أنَّ تحويلَ الأموالِ إلى شرعيةٍ في أوربا يتطلب عمولة أكثر من (%30).. المآسأة الكبرى عندما طلبتُ أن يتوقَّفَ عن (غسيل الأموال الحرام)، أجابني بتهكُّمٍ: أموالُ العراقِ في الخارجِ قَذِرَةٌ بحاجةٍ إلى غسيلٍ..

كان العراقيونَ يعملون بكدٍّ و جُهدٍ كبيرٍ ليشتروا أرضًا و يبيعونَ كلَّ مقتنيات العائلة من مصوغات النساء إلى الأدوات المنزلية الضرورية لكي يبنوا لهم دارًا، وكان المثل السائد و ما يزالُ(إلما عنده سكن، ما عنده وطن)، أما الآن فلو عَمِلتَ في الدولةِ باستقامةٍ ألفَ عامٍ لا تستطعَ أن تشتريَ دارًا، و كما قال لي أحد الأصدقاء:( *يدفعونَ بنا إلى الرِّشوةِ و الفسادِ* )..

من ظُلمِ الحكومات العراقية المتتالية أن تشحنَ العراقيين للدِّفاعِ عن الوطن و هُم لا يملكونَ شِبرًا فيه، و من الظُلمِ أيضًا أن يستشهدَ الآباء و عوائلهم مُستأجِرة دورًا و ليس لهم غير الله من والٍ..

في منطقتي تمَّ الإستحواذُ على الساحات والجمعيات و الأراضي الزراعية من قبل متنفِّذين في الدولة، و منحوها إلى أقاربهم و جماعتهم.. والحالٌ هذه مع كلِّ أراضي الدولة و لا سيما في جانبِ الرُّصافةِ من بغدادَ، حتى وصلَ سعرُ المترِ في الأراضي الزراعية من المربَّع الرِّئاسي إلى (2.5) مليون دينار بدون سندِ مِلكيةٍ، و يجب أن تبنيَ شركاتُ المتنفِّذين بمبلغٍ يصلُ إلى مليون دينار للمتر المربع، بحيث أنَّ بناء (200)متر مربع في أرضٍ زراعيةٍ في المربَّعِ الرِّئاسيِّ بحماية الحرس الرئاسي من البيشمركة يتجاوز المليار دينار عراقي..

من الذكريات المريرة في زمن حكومة أياد علاوي هو استدعائي من قِبَلِ أحدِ أكبرِ الكتل السياسية وطلبوا منِّي أن أقومَ و فريقي من الخبراء و طلابي في الماجستير والدكتوراه في تخطيطِ مدنٍ، و تعهدوا بأن يمنحونَنا قِطعَ أراضٍ مُميَّزَةً من القِطَعِ التي نقسِّمُها، لكنَّ الأمرَ لم يحدث لأني طلبتُ منهم أمرًا ديوانيًّا من رئيس الوزراء أياد علاوي لكي يكونَ العملَ وطنيًّا و رسميًّا و ليس سرقةً!!!
*الطَّريفُ* أنَّ معظمَ الأراضي التي تمَّ تقسيمها بشكلٍ غيرِ قانونيٍّ و لا تتطابق مع التخطيط العمراني لمدينة بغداد، قد تمَّ سرقتها بأيدي أشخاصٍ ليس لهم علاقة بالهندسة و التخطيط الحضري و العمارة و البيئة، بل أنَّ أحدهم (بائع سمك)، و آخر (صاحب بسطية)، وثالث (من الدوَّارة)..
لكن للأمانة كان ملَّاك الأراضي الجُدد من المستحوذين عليها يردِّدونَ: (لا نسمح بالبناء بالبلوك ، أو بطريقة الحواسم ، لأن المنطقة أصبحت معروفة باسمنا)، ( *أمراء أراضي الدولة*).

في حَيِّنا بعد احتلال بغداد في 2003، إستولى حارس المدرسة المتوسطة عليها و لم يسمح بدخول الطالبات مُبررًّا ذلك بعدم وجود سكن له ولعائلته القادمة من أحد أقضية الديوانية، ولم تُحلُّ القضية حتى جمعنا له مالًا ليبنيَ قطعةَ أرضٍ (تَركٍ) بجوار المدرسة تتجاوز ال (1000) متر مربع تساوي قيمتها ملياري دينار لايزالُ يشغله.
( *الإستملاكُ بالقوَّةِ* )..

كانت لدى مجلس الخبراء العراقي مخططات كاملة لإسكان كلِّ العراقيين على تقديرات سنة (2035) لعديد سكان (50)مليون نسمة *بحملة (السكن للجميع)*، إلا أنَّ الحاسبات والملفات تمَّ سرقتها من داري في 2016 من جهاتٍ متنفذةٍ مع ملفاتٍ تُدينُ كلَّ الفاسدين بأسلوب قالها لي رئيس كتلة: السرقة مو سرقة حرامية..

*والآن* *نحن على استعداد لتوفير ((السكن للجميع)) إنْ تَمَّ منحنا القرارَ في التخطيط و التصميم و التنسيق*.

الآن العراق مثل مصر قبل حكومة فتاح السيسي، هو بلد ( *العشوائيات و الحواسم )*، و ما يُحسَبُ للسِّيسي أنه جنَّدَ كُلَّ الجُهدِ الفني للجيش المصري في بناءِ مجمَّعاتٍ سكنيةٍ للفقراءِ و ذوي الدخلِ المحدودِ، وهذا ما فعله الزعيم عبد الكريم قاسم قبل (60) عامًا، عندما حوَّلَ مُدُنَ الصَّرايفِ و المدن الطينية إلى مُدُنٍ عِمرانيةٍ لا تزالُ شاخصةً للناظرينَ…

سألني عديدٌ من الناس عن أسباب ازدياد أسعار الأراضي و الدور في العراق و لا سيما في بغداد، و كانت إجابتي:

*السبب الأول*: الحكومة لأنها حكومة فاسدين أثرياء، وحكومة سُرَّاق أشقياء وليست حكومة مواطنين فقراء، فلم توزِّع أراضيَ أو دورًا خلال أل (19) سنة الماضية، فقط منحت عقارات الدولة للأحزاب و الحرامية بأسعار رمزية، وحتى القصور الرئاسية لم تسلَم منهم، فقصر في الأنبار تمَّ منحه ب قيمة تعادل( %1)من قيمته و بواسطة قرضٍ زراعيٍّ من وزارة المالية في زمن رافع العيساوي وتمَّ إعفاءه من التسديد لسوء الموسم الزراعي لأنَّ القصر كان يشتمل على مئات الدوانم و غابات و مزارع للحيوانات من الجياد و الغزلان..
و في بغداد تمَّ منح قصر الفاو لمدة (50) عامًا لمقاول كهرباء و بإيجار لا يتجاوز الألف دينار للدونم الواحد ليستحدث الجامعة الأمريكية عليه مع آلاف الدوانم تمَّ أخذها من جامعة بغداد و وزارة المالية و وزارة الدفاع، و سيتمُّ فيما بعد إنشاء مجمَّعاتٍ سكنيةٍ عليها ليربحَ الفاسدون مئاتَ الترليونات بالحرام، ولكن بالموافقات الأصولية من هيئة الإستثمار الوطنية و رئاسة مجلس الوزراء..

*السبب الثاني*: إرتفاعُ سعر صرف الدولار بنسبة (%25)، مما أسهمَ في ارتفاع أسعار المواد الإنشائية و الصحية، و كُلَفِ العمل، و النقل..
و *الأدهى*، أنَّ مبيعات المستثمرين من الشركات العقارية هي بالدولار والذي يُسهِمُ بتقويته أمام الدينار، في حين العُرف الإقتصادي يُلزمُ الحكومةَ بالإشتراط على المستثمرين البيعَ بالدينار العراقي كما هو معروفٌ في كلِّ دولِ العالم، البيع والتدوال بأسعار العملة المحلية ومن المُمكن التأكُّد من ذلك في تركيا و الأردن وسوريا والكويت والسعودية ووووو… كلُّ دول العالم باستثناء عراق الكاظمي (الله يحميه)..

*السبب الثالث*: غيابُ الرقابة من الدولة، وانعدام الضمير و الإنسانية عند الأحزاب و الكتل السياسية حتى أصبحت أسعار الشقق في أطراف الكاظمية مقامة على أراضٍ زراعيةٍ تتجاوز النصف مليار دينار لل (170)متر مربع، بينما تصل قيمة الدار المشيَّدة القريبة من منطقة (أبو غريب) إلى (400) مليون دينار ببناء متوسط النوعية من قِبَلِ إحدى الشركات الإستثمارية، علمًا أنَّ الأسعارَ تمَّ مُضاعفتها خلالَ أشهرٍ..
*وكان الأجدى بالحكومة أن تحددَّ أسعارَ العقاراتِ التي يتمُّ إنشاؤها من الشركات الإستثمارية و بالدينار العراقي*
.
*السبب الرابع*: سياسة الحكومات الظالمة في عدم توزيع الأراضي للمواطنين، بل يتمُّ فقط في أيام ما قبل الانتخابات و بسنداتٍ تَبيَّن فيما بعد أنها مُزوَّرة!!!
أما مشروع (داري)، فلا يزالُ جزءًا من الأكاذيب والخُدَعِ..

قالت لي خاچية ذات مرة:
عن أي وطنٍ تتحدَّثُ، لقد مات شقيقي (أبو وطن) و لا يملك في العراق أيَّ سكنٍ، رحل من العراق ولا يملك سوى الكفن، بل جمعنا ثمن قبره، في بلد أصبح القبر غالي الثمن.. ترك بناتَه شجن و زمن و وسن بلا معيلٍ بعد أن توفَّى أخوهم وطنٌ بحادثِ سَيرٍ..
لقد استشهدَ شبابُنا في حربٍ ضروسٍ ضد داعش والإرهاب تاركين عوائلَهم أمام أعيننا و ضمائرنا بلا سكنٍ..

اللهمُّ نشكو اليكَ ضَعفَ حالِنا، وسرقةَ حُكَّامِنا أموالَنا ، و الاستحواذَ على أرضنا، وتدميرَ مناخِنا و بلدِنا..
اللهمَّ اجعل ما سرقوهُ سُخطًا عليهم..
و ما كسبوهُ نارًا في بطونهم في دنياهم و آخرتهم..
اللهمَّ مُدَّ فينا القوةَ والعزيمةَ..
و ازرَع فيهم الضَّعفَ والهزيمةَ..

البروفسور د.ضياء واجد المهندس
مجلس الخبراء العراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.