الصائح

د. عبد الحميد الصائح / كلمة

من شهر تقريباً وانا في العراق بين بغداد العاصمة ومدن اخرى وطبعا الناصرية مدينة الرضاعة واطلاق صافرة الحياة الاولى ..
الموقف الاخير للحياة بين الوطن والمهجر يشير الى اننا في ازمة .. ازمة الوطن وماعداه .. ازمة من نوع اخر .. حين تكون جميع الخيارات صحيحة .. البقاء بعيدا صح والعودة صح .
حسابات تستعرض المكاسب والخسائر ، للبقاء اسباب وللهجرة اسباب أيضا ، وأسباب الحالتين تتصارعان دون أن تُحسم الجولة الطويلة لأي منهما .

حين غادرت العراق في الخامس من تموز عام 1991 بعد أحداثٍ صاخبة من بقايا الحرب الى آثار الاحتجاجات والانتفاضة للتغيير ، لم اتوقع أن يطول ذلك الهروب كل هذا الوقت .. لم اتوقع ان تكون الاشهر الستة المحتمله للغياب ثلاثين عاما !!! فقد كنتُ صغيراً وقليل خبرة ولم أعرف أن الهجرة مشروع معقد وذو مخاطر ، لاسيما اذا كان في أتون السياسة التي كنت اتجنبها رغم انغماسي عبر اعلان ارائي دون حساب لما يؤديه ذلك من انفاق ودروب واضطرار لمعرفة شخصيات وحركات واجندات غامضة بين العام و الخاص الحياة التي تفرض نفسها مهما اؤتينا من زهد وتجرد ، فابناء نحبهم ونحرص على ًنجاحهم يخترق جميع الاولويات ويحولنا من كائنات حالمة حرة تنتج الرأي والكتب الى امهات القطط في الخوف والحذر والعناية والتربص للمخاطر المحتملة .
لكن حياتك الاولى في هذا العالم لن تتركك لحالك الجديد .. فهناك ما ينتظرك دائما، السنوات القديمة المحنطة التي لاتبلى بكل جمالها واثقالها، وهي تتربص بك كلما داهمك الزمن وحضر المكان .

هذا ما اكتبه راجفاً وأنا اتجول في الناصرية وسوق الشيوخ ونهر غليوين الذي بدا تنفسي على شواطئه .. كل الاماكن تحكي لك حياتك .. الناس ، الدراسة ، احلامك الاولى ، كل مقهى يؤدي الى صور رواده وكل مرتاد لك معه قصة سواء رحل عن هذه الدنيا ام بقي متدثرا بالزمن المر ، المدارس الشوارع حركة الاولاد والبنات المحال التجارية ، كلها تحكي عنك وتذكرك بيومياتك العتيقة وكل ما شهدته في حياتك التي حاولت الهروب منها الى اقاصي العالم الاخر . اشياء اقولها وأشياء أخفيها وتاريخ لمدينة عانت معنا الحرمان و القسوة طوال تاريخها .

لم ار نفسي في مواجهة مفتوحة كما رايتها خلال هذه الايام وكان الاماكن والناس تفتح معي حساب التصفية الاخير .. حساب نقلته الى الكلمة والقصيدة والاغنية والحماس المفرط في الدفاع عن حياة نحلم بها ووطن نستعيده يذكرني به شباب بعمر ابنائي اليوم وهم يحملون برعونة عظيمة ذلك الحماس الذي قذفني الى خارج مدينتي ثم خارج بلادي .

كل ذكرى تؤدي الى ذكرى تؤدي هي الاخرى الى سواها بمايشبه هجوم جيوش مدرعة بحياة مضت تلتهم روحك وحاضرك وتعيدك الى قرار الرحيل الاول وحيرة الخيارين المتناقضين الصحيحين .. البقاء صح والعودة صح .. لكن الفرق ان الاول كان من الوطن قبل ثلاثين عاما، فيما يحضر الخيار الثاني الآن من المهجر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *