د. رقيق عبدالله
كاتب و مفكر جزائري

إن الفهم الباثولوجي للفكر العربي ربط الزمن كوحدة ثابتة تستجيب للحاضر من خلال اجابات الماضي
و اظهاره في صورة مشرقة على الدوام، و إن التوجه نحو تأسيس الحضارة يجب أن يتكامل و ينسجم مع هذا الاشراق الماضوي و كل محاولة انتقائية لهذا الاشراق المتجسد في الذهن و المتلبس بالماضي حتما لا يمكنه أن يمر عبر آليات التمحيص أو النقد و إنما يؤخذ كلا واحدا في منظور العقل العربي.
هنا وجد هذا العقل نفسه مع إشكالية أخرى و هي كيف يتم تأسيس فاعلية الاستمرار دون موافقة نقدية لهذا الاشراق الماضوي؟
و هل نجيب على أسئلة الحاضر دائما من خلال اجابات الماضي حتما ؟
و لماذا لم ينجح اشراق الماضي في حل معضلات الواقع ؟
كل هذه الإشكاليات أوقعت العقل العربي في الفهم الباثولوجي بين التحول و الضمور و لم يدرك أن لكل بداية جديدة نقد قديم، يتحمل فيه العقل و موروثه الثقافي و الذي هو دائما ما يبقي في فكر الإنسان بعد أن ينسى كل شيء.
فالنهضة الغربية مثلا و إن نختلف في الأخذ بطبيعتها بدأت بداية نقدية مع ديكارت و أحدثت مناهجها الخاصة بها واستمرت في النقد و لم يستمر ماضيها.
لقد أضفى النقد على النهضة الغربية مراجعة ذاتها على الدوام وفق الممارسة المعرفية و الفعل العقلي و ابتعدت عن دراسة الاشكاليات بمنظورها الباثولوجي.
أما العقل العربي لم يعي بأن إيديولوجيته ليست عائقا في تفعيل منظومته الفكرية و أن الحل لا يكمن في إلغاء مناهجه و تراثه.
فمنهج العرفان مثلا شكل نقلة في فهم منطلقات تمحيص فهم الآخر حقيقةً و كينونةً، محبةً و استشراقا
“فجميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق ثمرة الحب” كما طرح الغزالي.
فعملية البحث الدائم للعقل العربي على فكرة المطابقة بين الماضي و الحاضر احدثت اشكاليات الواقع الفكري و المجتمعي و عاش الإنسان العربي التشتت الذاتي و صراع الاستشراق كما الاستشراف الحالم بقدوم زمن الماضي إلى عالم الواقع مع حالة الانتظار و الأمنيات، هنا ولدت الحيرة و كان العجز بين تراث يشكل منظومته في حاضر لا يجيب على مستقبله و واقعه.
من هنا قرر الفرد العربي وفق ذاكرة الموروث الثقافي حلولا لم يتقبلها البناء العقلي و لا إيمان الذات بمنطلقاتها الفاعلة، فكان إما أن يتخذ فكر الغير منطلقا في فهم بناء حضارته، و إما أن يعود لكل ذاك الماضي و جلبه بوحدته الزمنية المركبة لأن لا بناء غيره، و هنا كان الاشكال الاعظم و هو استقالة الفاعلية و خصوصية الموروث معا. فكيف ستكون هذه العودة ضرورة نحو الاستشراق الماضوي في واقعه و حاضره.
فكان اختيار المركب السياسي كمنهج يُفرض فيه التراث ماضيا و استشراقا من خلال الاستحواذ على ميكانيزمات الدولة و السيطرة على البناءات الاجتماعية الكبرى فكان الاسلام السياسي و وجوب الحكم عبر منهج حلم التطبيق الذي قادت الحركات الإسلامية شعاره بأن الإسلام هو الحل، حل لكل مشكلات الحاضر و المستقبل،
و الحقيقة أن الإسلام دين يعيش فيه الفرد اشكالياته و حلوله و ولد لدى العقل العربي بُنية فشل النموذج و كان للمستقيلين من فاعلية التراث اظهار هذا الفشل لا على أساس النقد و التدقيق و إنما وفق رفض المتشفي بأن الاغتراب العام هو منهج الحلول و البناء،
هنا ايضا فقد هذا الطرح عقلانيته لانه لا واقع خارج الذات المؤمنة بتراثها وخصوصيتها…….يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.