بغداد / وليد الجابري
تعتبر الانتخابات من أفضل الأدوات الديمقراطية التي حاول المفكرون تقديمها للمجتمعات، لإتاحة الفرصة للفرد بأن يساهم بشكل أو آخر في عملية صناعة القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كذلك تحديد الحاكم ومحاسبته، وتكمن أهمية الإنتخابات في العراق كونها تمر على طول الخط بظروف خاصة واستثنائية بفعل ما يعكسه الواقع السياسي على مختلف مناحي الحياة، الأمر الذي يستدعي وقفة لقراءة الواقع الانتخابي الذي ينتج القوى المسيطرة لاحقا على المشهد.

وبعدما صادقت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات على أسماء المرشحين أصبح شكل المشهد الإنتخابي أكثر وضوحا، وبالإمكان استقراء نتائجه ولو على نحو الاستشراف، مع العلم أن هذه القراءة مبنية على انطباعات متولدة من الشارع العراقي وتوجهاته، ومن أجل التوغل في قراءة النتائج في ضوء المعطيات المتوفرة سنلقي الضوء على حظوظ القوى الشيعية المتنافسة التي تشكل ما يصل لاكثر من ثلث عدد مقاعد البرلمان.

النظرة الأولى تشير إلى صعود القوى الجديدة أو الوليدة مقابل قوى الرعيل الاول او القديمة، وتمثل هذه القوى طيفا شديد التشظي تكّون من الكيانات القديمة، وأضيف لها بعض الكيانات السياسية الجديدة، بالإضافة إلى قوائم طرحت نفسها ممثلة ومتحدثة بإسم تشرين، وساحات الاحتجاج. وعلى الرغم من ذلك، فإن المؤشرات توضح أن هناك محافظة نسبية للقوى التقليدية على حظوظها بالنظر لحجم المشاركة السابقة، أما اذا تغيرت المعطيات وصعدت نسب المشاركة – وهذا ما سيحدث على أكثر الظنون- فإن هناك متغيرات كبيرة ستحصل، وستتقدم قوى على غيرها.

ووفقا للمؤشرات فإن الساحة السياسية الشيعية منقسمة بوضوح كبير، فالكتلة الصدرية، التي تسعى حسب تصريحات السيد مقتدى الصدر للحصول على الحصة الأكبر في البرلمان المقبل ما يؤهلها لترؤس الحكومة المقبلة، تعمل بمواجهة كتل شيعية كبيرة، تمثل قوى منافسة شرسة على مقاعد البرلمان، مثل كتلة الفتح بقيادة هادي العامري، التي تألفت من حركات وكيانات فصائل المقاومة الإسلامية، وهي صاحبة صوت عال في الشارع الشيعي، وهناك أيضا كتلة دولة القانون بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المتمثلة بما تبقى من حزب الدعوة ومن أئتلف معه، وهناك رابعا تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم الذي ائتلف مع كتلة النصر الممثلة لحزب الدعوة/جناح رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، بالاضافة الى كتل عديدة أخرى سبق لها وأن اشتركت في الإنتخابات، وتبدو حالة الانقسام واضحة في الشارع الشيعي، واذا ما شائت قوى الرعيل الأول الفوز فإنها على مواجهة شرسة مع مجموعة من القوى الجديدة التي يقودها وزراء سابقون شهد لهم الجميع بتحقيق النجاح كتيار الفراتين الذي يقوده الوزير الاسبق محمد شياع السوداني، وتجمع اقتدار الذي يقوده عبد الحسين عبطان، وواضح من خلال المؤشرات التفاف الجمهور الشيعي حول هذه التجارب الجديدة والتي يأمل منها واقعا جديدا يختلف عما سبق، سيما وان الشخصين سبق وأن ترشحا لترأس الحكومة بعد استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، والاثنان يعتمدان على جمهور جميع القوى السياسية الذي يأس من التغيير، وعلى جمهور المنطقة الرمادية الذي يعول عليه الخروج بقوة، وكذلك جمهور الشباب الذي سيشترك لأول مرة بالانتخابات ويشعر أن عبطان مثلا أقرب اليه من غيره، وهذا ما سيوجه البوصلة نحو هذه الكتل الجديدة في سحب البساط من الجميع وتشكيل وزنا برلمانيا يفرق من حيث الاصطفافات للتصويت على القضايا الجدلية داخل قبة البرلمان.

المعطيات تشير أيضا إلى حصول تيار الصدر على نسبة 40٪ من حجم الأصوات، اذا ما كانت نسبة المشاركة بحدود 30‰ في حين أنها ستحافظ على وضعها مع صعود نسب المشاركة على اعتبار أن الشارع الصدري ثابت ويتحرك وفقا لتوجيهات قياداته، فتيار الصدر الذي لديه 54 مقعد في حال كانت نسبة المشاركة 30%، فانه سيصل إلى 40 مقعد إذا ما كانت نسبة المشاركة قرابة 40%، والفارق سيذهب إلى القوى الجديدة بكل تأكيد. فيما يشهد تحالف الفتح خسائر من نوع آخر، سيما مع انفراط عقد قواه من ناحية، وغياب الدفع المعنوي الذي تلقاه بفعل المعارك مع تنظيم داعش الارهابي، وبالتالي فإنه سيفقد العديد من مقاعده في الانتخابات، وربما لن يصل إلى نصف ما فاز به سابقا أي 20 مقعد. على الجانب الآخر تشير المعطيات أن دولة القانون سيحافظ على مقاعده بفعل السجال المستمر بينه وبين الصدريين، ويمكن أن يحقق 25 مقعد في أفضل التقادير. فيما يسعى الحكيم والعبادي لتحقيق ما يصل إلى 35 مقعد وهو حلم بعيد المنال.

الأمر الهام هنا، حظوظ القوى الجديدة واستحقاقاتها في الصراع الانتخابي القادم، وتبعا لذلك فإن عبد الحسين عبطان الذي نزل إلى الإنتخابات بأكثر من 50 مرشح يتوقع ان يحصل من 15-20 مقعد. فيما يتوقع حصول محمد شياع السوداني على قرابة 5 مقاعد. أما قوى تشرين فما زالت صورتها مشوشة، وينتظر أن تحقق مجتمعة قرابة 15 مقعد، إلا أن هناك اتجاهين يتنازعان التشرينيين، الأول الدخول في ائتلافات مع أحزاب موجودة في الساحة السياسية لضمان الحصول على دعم، وبالتالي توفر إمكانية وصول أصوات بعض التشرينيين إلى البرلمان الجديد، والاتجاه الآخر موجة الرفض العالية بمقاطعة الانتخابات التي لا يتأمل الكثير من شباب حراك تشرين خيرا فيها، ويشككون في نزاهتها، ويرون أنها عبارة عن تدوير للوجوه القديمة.

الوضع الانتخابي العراقي يفرض العديد من المتغيرات، تتداخل فيه حسابات ورهانات كبيرة، وايادي خفية، قد تقطع إذا ما تحرك الشارع نحو صناديق الانتخابات واختار مرشحيه دون ترهيب او مغريات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.