رياض الفرطوسي
رياض الفرطوسي

كتب رياض الفرطوسي
يجمع الكثير من العراقيين على ان صوت وصورة المسؤول‘
تختلف عن اصوات واشكال الناس العاديين.
يعكس الصوت طبيعة الانسان.
مثلما يعكس الطبل طبيعة الدف ونوعية الجلد والفخار.
هناك اصوات مثقوبة ليس لها صدى رغم الجعجعة والضوضاء.
وهناك اصوات متحشرجة وجشه تحمل البداوة والصحراء‘
خاصة اذا كانت مع شكل يحمل شوارب سوداء مصبوغة وكثة‘
واحيانا ثمة اصوات لها حضور قبل ان تتكلم.
مثلا عندما يدخل ( المسؤول ) على دائرته وموظفيه‘
ويبدأ يتفحص الحضور والوجوه بطريقة استجوابية‘
ونظرة تقول للجميع ان هذا المكان هو حيازة خاصة‘
وملك صرف وان يدي مبسوطة عليكم في الحكم والعقاب.
في نفس الوقت ضحايا المسؤولين وهم عادة‘
من صغار الموظفين لا تصدر عنهم اصوات‘
لأن السنتهم يأكلها الخرس بسبب الخشية والخوف.
وهنا لا تدخل لغة الاصوات في فرض الوصاية‘
بل تدخل الصورة كمعيار يفرض سلطته
من خلال جعجعة الحواريين والاتباع والحرس‘
وهم يدخلون ويحضرون بطريقة رجال الكابوي على اي مكان.
ثمة اصوات اخرى غير مرئية تتلاطم في عقول الناس‘
وتسبب لهم تقلبات مزاجية وقلق دائم.
مثلا لديك موعد مع مسؤول وقد يكون هذا الموعد‘
يحدد مصيرك الوظيفي او الانتخابي او الحزبي‘
وانت تجهل في تلك اللحظة كيف ستكون حالة المسؤول‘
وتحت اي مزاج واي ضغط واي نزوة.
بأعتبار معظم المسؤولين يعيشون في حالة تقلب مزاجي مستمر.
مرة كئيب ومرة فرحان ‘ مرة غاضب واخرى هادىء.
ومع وجود هذا المزاج المراوغ لا تعرف كيف سترقص معه وعلى اي رجل.
في مكتب المسؤول لا صوت يعلوا على صوت سيادته.
وكنوع من الترويض الناعم لك قبل ان تتفضل بلقائه.
تدخل وتشاهد الاتباع يتهامسون فيما بينهم بصوت خافت‘
والهواتف صامته والعيون متربصة بحذر على طول الوقت.
يمضي الزمن ببطأ وانت تنتظر في غرفة الضيوف‘
تتصاعد في رأسك عشرات الاصوات والصور.
كيف ساتحدث معه بأي صوت وبأي صورة وبأي لغة وبأي خلفية
خاصة عندما تدرك داخليا ان هذا المسؤول لا صوت ولا صورة.
الكثير من المسؤولين يميلون الى الهدوء‘
لأن رؤوسهم تحتدم بالضجيج والحسابات والترقب.
لذلك يجب ان تحرص عند الحديث معه ان يكون صوتك منخفظا‘
لكي لا توقظ التنين الذي يختبأ خلف عنقه وحنجرته الصوتية.
كيف سيحرر هذا المسؤول نفسه من اصوات وصور الماضي
وهي عالقة في وعيه ولا شعوره.
يحاول ان يروض نفسه على ماهو متاح ومحظور.
لا يستطيع داخليا ان ينكر واقع الترويع والترويض الاجتماعي‘
الذي كان يفرض عليه في مراحل مختلفة من حياته.
ما جدوى هذه المسؤولية في حين انه لازال‘
جالس في عربة الطفولة المرة بكل تناقضاتها‘
من تدجين ونفاق وتواطىء وتدليس بغطاء اخلاقي.
لذلك تجده احيانا مجبر على مجاملة مسؤول اخر في نفس‘
الدائرة او مكان العمل لكنه يكرهه ‘ومع ذلك يتبادل معه‘
كلمات الاشواق والتحية في حين داخليا يلعنه الف مرة.
وهنا يبدو الانشطار واضحا في سلوكين مختلفين‘
ولغتين مختلفتين وصوتين مختلفين وصورتين مختلفتين.
تدخل على مكتب سيادته تشاهد فوق طاولة المكتب.
قطعة رخامية مكتوب عليها اسمه بحروف مرصعة بلون ذهبي‘
مع عنوانه الوظيفي وعادة ما يكون عنوانا طويلا في مجتمع‘
يحب ويقدس كل شي كبير وفخم ( حتى وان كان بلا اي محتوى حقيقي).
تتسائل داخليا كيف ستكون امام هذا المسؤول بصورتك الحقيقية.
في واقع تنكري من الاقنعة والاختلالات والتناقضات العميقة والمخفية.
تبدو المهمة شاقة في ان تكون كما انت ( انسانا ).
( والويل لمن يدخل بوجهه الحقيقي
وبصوته الحقيقي وبصورته الحقيقية على اي مسؤول).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *