الثيمة الثوريّة مشروطة بدرامّا المسرح

د. علي موسى الموسوي /النرويج
الفكرة المسرحيّة التي تنبتّ بجذور الذات، وحدها القادرة على احتساب الثمن الباهظ للإثمِ، فالدراما القشريّة التي كانت سائدة بشخوص ومصادفات خادعة، افرغت المسرح من مبدأيتهِ الاصلاحيّة وثيمتهِ الثوريّة، لذلك عمدّ بكتاباتهِ المسرحية الى رجرجة الخشبة بثورة فنية مهدمة بحداثويتها الانماط والقوالب المسرحيّة الجامدة.
“إبسن هنريك” الكاتـب المسرحي النرويجي، الذي عُرفَ باسم أبي الدراما الحديثة، بدأت مسيرته في الكتابة في القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كانت الدراما الأوروبية تقدم قليلاً من المسرحيات الميلودرامية، أو تلك التي تعتمد على العواطف، الهزلية السخيفة وتصور المسرحيات المحبوكة شخصيات في شكل عرائس ومواقف مملوءة بالمصادفات.

تجارب مريرة
وُلد إبسن في مدينة شيّن وكان والده التاجر زعيمًا في المجتمع المحلي، إلا أن الإفلاس أثر على وضع الأسرة عام 1835م، وأجبرها على الانتقال إلى كوخ ريفي خارج المدينة وفي عام 1844م، حيث أصبح إبسن مساعدًا صيدليًا في غريمستاد، وكانت الكثير من مقالات إبسن الدرامية قد تكون مستوحاة من هذه التجارب الأولية، مع ملاحظة تأكيده على نفاق المجتمع المؤدب والإثارة المدمرة للإثم الخفي وعبء الماضي والحاجة للاعتماد على النفس، ومن خلال مسرحياته الـ 26 غيَّر إبسن ملامح الأشكال القديمة بشخصيات متصارعة وحوار نابض بالحياة وعرض اجتماعي ونفسي مقنع، وقصص تناقش المسائل المهمة.

منفى اختياريّ
بدأ تاريخ إبسن المسرحي بعرض مسرحيته الثانية عربة المحارب عام 1850م وقد عمل مدير تحرير للمسرح النرويجي في بيرگن من عام 1851م إلى 1857م، حيث أصبح مديرًا فنيًا لمسرح كريستيانيا النرويجي في كريستيانيا، (أوسلو الآن) وفي عام 1858م تزوج من سوزانا ثوريسين وقد منحه إخلاصها أمانًا عاطفيًا، وبعدها حصل إبسن على منحة للدراسة في إيطاليا وألمانيا عام 1864م، وكانت هذه المنحة بمثابة النفي الاختياري لإبسن وقد دامت 27 عامًا وفي هذا الوقت كتب أكثر روائعه الباقية حتى الآن، ثم عاد بصفة دائمة إلى كريستيانيا عام 1891م.

صراع الفرديّة
تتكون مرحلة حياة إبسن الأولى 1850 ـ 1873م أساسًا من الدراما الشعرية، ويعتمد معظمها على التاريخ النرويجي والأدب الشعبي، مثل براند (1865م) وهي مأساة رمزية؛ بيرجنت (1867م) وهي رواية خيالية، ومن أعظم أعمال إبسن الشهيرة اليوم مسرحيات المشكلات التي كتبها في المرحلة الثانية من حياته (1877ـ 1891م). وهي دراسات واقعية عن حياة مدينة صغيرة. وفيها عرض إبسن الخداع والفساد الذي وجده في مجتمع الطبقة المتوسطة، وبيت الدمية (1879م) مسرحية تكشف عن اضطهاد المرأة، والأشباح (1882م) التي تصور الثمن الباهظ للإثم وعدو الشعب (1883م) التي تحكي قصة القهر الاجتماعي والبطة المتوحشة (1885م) وتتعامل مع الاستحقاقات المتعلقة بالحقيقة والوهم، وهيدا جابلر (1891م) التي تتعلق بالأخطار النفسية للكبت الاجتماعي، أعادت مسرحيات الفترة الأخيرة لإبسن (1892 ـ 1900م) تقديم الرمزية الكثـيفة المبـالغ فيـها في أعمال الكتّاب الأوروبيـين، وتكشـف عن الجـانب الصوفي لإبسن وخصوصًا اهتـمامه باللاوعي والصراع الفردي لتحقيق ذاته. ومن مسرحيات هذه الحقبة رئيس البَنّائِين (1893م) الذئب الصغير (1895م) جون جابرييل بوركمان (1897م) عندما نوقظ الموتى (1900م).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *