رياض الفرطوسي
رياض الفرطوسي

كتب رياض الفرطوسي
في البداية اتمنى ان لا تقع هذه المقالة بيد السذج والمغفلين والعقليات السطحية التي اعتادت ان تفهم الامور فهما مقلوبا لتعميق المغالطات والتضليل .مع ملاحظة ان الحوار اليوم لم يعد كما كان سابقا حوارا بين ( محترفين ومتخصصين ) بغض النظر عن التوجه السياسي والافكار المختلفة. فثمة اخلاقيات وتقاليد رصينة في طبيعة وشكل الحوار ‘ سواء كان سياسيا او ثقافيا او فكريا. وهناك من يضع الحوار في اتجاه التشكيك والريبة من اجل دحضه والغاءه ومصادرته.
نادرا ما اسمع ان ازمة الحوار السياسي بين النخب ‘ هي ازمة متجذرة وقديمة وذات بعد تاريخي وهي ليست وليدة اللحظة بل انها ازمة عميقة يعود تاريخها لأكثر من اربعة عقود.
وهي ازمة عقل و وعي وثقافة ومنهج وسلوك منذ ايام المعارضة‘ واستمرت تاخذ اطارا دائريا بشكل تكراري .تمئسست هذه الازمات بعد استلام السلطة وتمظهرت بمشاكل سياسية وادارية وخلافات وصراعات‘ ولكن عمقها هو فكري وثقافي ‘ يتعلق بطبيعة العقلية( رسوخ المفاهيم الجامدة والانغلاق ونرجسية ‘ بما في ذلك الهيبة ‘ والشكل ‘ والمظاهر‘ والنفوذ . وتفضيلها على الحقائق والمعرفة والتغيير والعلم والبساطة والعفوية ‘ والمصلحة العامة)‘ والاختلاف .
تلك العقلية التي تندفع دائما بأتجاه واحد وتلغي كل الاتجاهات وزوايا النظر الاخرى ‘ وتفسر الاشياء تفسيرا سياسيا‘ وهي مصرة ( اي تلك العقلية ) على عدم وجود ازمة متجذرة ‘ والهروب الى الامام في كل ما يواجهنا من تحديات ودائما ما يتم البحث عن ( شماعة يتم وضع الاخفاقات عليها )وهو نوع من انواع تبرئة الذات لتظهر بمظهر النصاعة والبياض‘ وخلق عدو مفترض من اجل التوازن النفسي والهيبة . فكيف لك ان تعالج ازمة حكم وسلطة وانت لا تعرف اشكالية علاقتك مع جمهورك ‘ لتصل العلاقة الى مرحلة التباعد والشرخ.نسمع كل يوم عشرات المقترحات والحلول والاجتماعات الدورية ‘ لكن بنفس الوقت يغيب العقل والمعرفة والفكر والتحليل والمراجعة والنقد البناء‘ ولا توجد خطط عملية واستراتيجيات ونظريات لصناعة مستقبل يعيد للناس الامل كنوع من الطوارىء او المخارج العملية.
هناك بعض القيادات السياسية ‘ قد اعترفت بشكل واضح بالازمة السياسية فيما بينها اولا‘ وبينها وبين الجمهور ثانيا. لكن الاعتراف بالازمة شي وفهم الازمة شي اخر ( وهذا ما كنا نكتب عنه منذ فترة طويلة جدا )لكن هل وعي الازمة جعل قياداتها السياسية تحدد طبيعتها ‘ فهمها ‘ عمقها ‘ اشكالياتها ‘ رسوخها ‘ عطبها ‘ غياب الفكر السياسي .وهل الاعترف بذلك سيضع على عاتقه مسؤولية تاريخية وثقافية ‘ تكشف وتعري وترفع النقاب ( عن المسكوت عنه).قطعا لا يمكن ان تتم معالجة الازمة بنفس ادوات من صنع الازمة ( صانع الازمة لا يمكن ان يكون سببا في حلها ). لقد خسرت النخب السياسية ‘ الكثير من الاتباع لانها وضعت الشعب امام رهانات صعبة وتحديات تمس وجوده وتاريخه ‘ وما تعرض له من ظلم وفاشية ‘ من خلال عرقلة مشروع البناء والنهوض والتنمية ‘ مع تكرار الوعود التي خلفت نفورا وسخطا اجتماعيا كبيرا.
وقد اثبتت التجربة السياسية ان (النخب السياسية العراقية) التي عاشت حالة من الصراع مع سلطة النظام البعثي ‘ انها عانت من صراعات داخلية فيما بينها منذ وقت مبكر وكأن سايكولوجية الصراعات والخلافات فيما بينها قد تسللت لها ايضا.وان الوجه الحقيقي لهذه الصراعات هو الوصول للسلطة وليس الوصول لحقوق الناس وانصافهم. ولهذا تجد ثمة اغترابا قد حصل بين الجمهور وبين الساسة على مستوى النصوص والخطابات.
لماذا لم تعد النخب السياسية تتحمل حوارا سياسيا صريحا ‘ تتعدد فيه الافكار مثلما تتعدد الرموز والثقافات ؟ لابد من توصيف طبيعة الازمة وصفا لا يقوم على شيطنة الاخر او تبرئته بل يقوم على فتح افاق جديدة وعدم العودة لأجترار المأزق نفسه.
نعم قد تكون للسلطة غواية لكن هذه الغواية قد تتعرى اما الجمهور والاعلام والحياة وتصبح هذه السلطة ضعيفة ومرعوبة ومهزوزة ومنخورة ومترنحة اذا لم تنتصر لأرادة الناس والحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *