كتب :د. طالب محمد كريم

لاشكَّ عندما نتناول موضوعة تحقيق الامن المستدام فاننا نذهب تلقائيا الى المقارنة بين الأمن واللا أمن. يعني ذلك ان العمل يصب في تقليل او انعدام حالة اللا أمن التي تساوي بمفهومنا الراهن مفهوم الازمة. من الأهمية بمكان ان نشير الى ان تكرار الازمات واشتدادها تعطي دلالات على وجود حالة اللاامن التي تعكس باثارها السلبية على شخصية الفرد وانطباعاته النفسية في تعاملاته اليومية مع معطيات الحياة ومستجداتها على ارض الواقع.

اولاً-ماهي الأزمة:
هي: حدوث خلل خطير ومفاجئ في العلاقات بين شيئين.أو هي تلك النقطة الحرجة واللحظة المناسبة التي يتحدد عنده مصير تطور ما.
هناك نوعين من الامن:
امن ذات طابع دوري متكرر الحدوث مثل الأمن الاجتماعي والاقتصادي.
وأمن ذات طابع فجائي عشوائي غير متكرر مثل الهجمات الارهابية او فايروس كورونا او التهديدات الاقتصادية التي تهدد البنى الاجتماعية والدولة الريعية بالانهيار عندما تتعرض لأي طارئ كأنخفاض اسعار برميل النفط.
ومن خلال استرسال المدلولات اللفظية في نصوص العبارات فاننا نكتشف ضمنياً ان عبارة عدم الامن تساوي عبارة استمرار الازمة في قوة انعكاساتها السلبية على استقرار الدولة والشعب. اي ان انعدام الامن هو خلق الازمة واستمرارها وكلما طال امد فترة الازمة كلما تعطينا مدلولا طردياً في انعدام الأمن الاجتماعي للدولة.
عند هذه النتيجة يفترض بنا ان نعلن عن الحاجة الضرورية الى تشكيل فريق عالي المستوى من التخصص والخبرة يتولى ادارة الازمات التي هي علم انساني تهتم بادارة التوازنات ورصد حركتها واتجاهاتها. يطلق عليه في الدراسات الاكاديمية والحقول المعرفية بعلم المستقبليات.

ثانياً: من الاسباب التي تساعد على استمرار عدم الامن هو:
وجود مجموعة من القوى ذات الاتجاهات الضاغطة. يشكل هذا الضغط تهديدا برمته ومن ثم يؤدي الى
ان تخرج متطلبات المعالجة عن الطرق المعتادة في مواجهة المشكلات وعندها تزداد فاعلية استمرار الازمة اذا ما استمرت المفاجأت العنيفة التي تزيد من موضوعة التعقيد والتشابك والتداخل. وقد يأتي ذلك بسبب
غياب المعلومات وعدم وضوح الرؤية لدى متخذ القرار
وسيادة حالة من الخوف.
لايخفى على العامل والباحث في حقلي العلوم الانسانية وتاريخ الدول والحضارات، ان مدلولات الأمن تتوزع على فروع متعددة تهتم بحياة الدولة والمواطن.

ثالثاً: ابرز فروع الأمن:
الامن الفرداني والاجتماعي-الامن الاقتصادي-الامن الغدائي-الامن السيبراني.
اذ ان لكل فرع مجاله الخاص من النظرية العلمية العاملة التي تؤطر الى فكرة الخروج من الازمة وانحلالها حتى ترسيخ المشاريع التي تقفز بحالة الدولة الى واقع افضل.
ومايدور في فلك مراكز البحوث والدراسات في الدولة والمنطقة هو البحث عن الكيفية التي تحقق النسبة الاكبر من انوجاد وادامة الامن الانساني.
وهذا ينقل بي الى البحث عن أعقد المشكلات الأمنية التي تهدد الدول والحضارات، وهي مشكلة الانسان نفسه، فرداً أو جماعة.

رابعاً: لماذا الانسان ؟
ذلك ان التحديات التي تواجه الانسان تتفرع الى:
١- التحديات الطبيعية.
٢- التحديات البيئية.
٣- التحديات الاقتصادية.
٤- التحديات الأمنية.
يمكن ان نصور تفاعل الانسان مع التحديات الثلاثة الاولى من خلال الفعل ورد الفعل الذي يتم من خلاله تبادل الادوار وكأنه تجسيد للفكرة التي تقول ان الحاجة ام الاختراع.
يعني ذلك ان نسبة حصول حالة الأمن هي متوفرة الى حد كبير من خلال معرفة الانسان بقوانين الطبيعة واكتشاف القوانين المجهولة التي تساعده في السيطرة على المشكلة التي قد يتفاجأ بها المجتمع.
يظهر من كل هذا ان المشكلة الخطيرة والمعقدة تكمن في واقع الانسان نفسه، أي من خلال حالة الجهل بحاجاته الانسانية والضرورية التي تحفظ له وجوده وبقاءه.
ربّ سائل يسأل: كيف يمكن ان نحقق الامن المستدام ونواجه التحديات الامنية ( البيئة -الطبيعة-الاقتصاد-أمن الفرد والجماعة )بشكل قوي وممنهج؟

خامساً: يتحقق الامن المستدام من خلال:
١- من خلال امن الانسان نفسه. يعني ان تبدأ الدولة اولى خطواتها في توفير حاجات الانسان الضرورية التي تحفظ للانسان كرامته وتحقق له حضوره وتجعل منه كائنا فاعلاً منتجاً لا يتوقف حياته على الاستهلاك فحسب.
٢- بناء منظومة فكرية شاملة تطرح نفسها بموازاة السقف الاعلى التي يضم جميع النشاطات الفكرية، والتي تدور في فلك فلسفة الليبرالية ( النظرية السياسية )التي تعطي مسافة واسعة لمدى الحريات.

سادساً: ماهي الكيفية والادوات التي تحقق ذلك؟
هي من خلال الاطلاع على التاريخ البشري الذي يغلب عليه تاريخ الحروب والمعارك الكبيرة.
حيث نجد ان اغلب الاحداث التي اشغلت العقول البشرية، قد تلخصت في صور القتل والاغتصاب والنهب والسرقة. ومن الواضح ان محركات التاريخ استقرت في نمطية الدافع الغريزي نحو السيطرة والغلبة وتوسيع قاعدة المكاسب والمصالح.
أي ان ما بناه الانسان من حضارة وعلوم وصروح شامخة في مئات السنين، قد دمرته الحروب في ساعات. يشار الى ان أكثر من ١٤٥ ألف معركة خلفت ضحايا بشرية اكثر من ثلاثة مليار انسان. ولم يسجل التاريخ الا مئتي سنة سلام واستقرار.

سابعاً: نعود الى مشكلة الانسان الذي نعتقد ان مسألة الحلول عنده تبدأ من حاضنته الفكرية والنفسية التي تظهر على اداءه السلوكي اليومي، ان استقر الانسان يستقر الجميع.
لندعم الرؤية التي نطرحها من خلال عرض نظرية هرم الحاجات (نظرية الدافع البشري) لعالم النفس ماسلو التي تتكلم عن مجموعة من الخطوات والتي تحقق للانسان وعيا سويا وحضورا سليما يمكنه من التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الاخر.
١-الاحتياجات الفسيولوجية.
٢-احتياجات الامان.
٣-الاحتياجات الاجتماعية.
٤-الحاجة للتقدير.
٥-الحاجة لتتحقيق الذات.

ثامناً: صفوة القول
اتخاذ القرار من خلال جمع المعلومات والحقائق الموضوعية لهذه المعطيات والحقائق، وبالتالي التوجه نحو الشروع الى ادارة الازمة عموما باتخاذ القرار الذي يتناسب مع فكرة بناء الاسرة والمواطن الصالح ( هذا بشكل بسيط قد لا يختلف عليه اثنان)، وهذه العبارة الاخيرة تحمل مضموناً عميقاً يكشف عن حجم الازمة التي يمرّ بها الشعب العراقي. اذ ان الدستور العراقي يتكلم عن بناء الانسان والاسرة وحق العيش والتعليم والرعاية الصحية وغيرها من الامور التي تعزز علاقة المواطن بارضه من جانب ومؤسسات الدولة من جانب اخر، الا ان هذا الطرح الدستوري الذي يفترض به ان يعزز من خلال البرامج السياسية للاحزاب هي غائبة بالبتة، بشكل كبير عن الممارسة العملية والتطبيقات المتطابقة مع المضمون المعلن. مما احدث بدوره شرخاً كبيراً في نظرية العقد الاجتماعي المزعومة وافقدت ثقة المواطن بالاداء السياسي والحكومي. تحت مبررات مكثفة من الفاعل السياسي والعمل المتواصل دائماً على تأجيل الضرورات الى مستقبل لا يُعرف مداه من كمية الوقت. حتى سرعان ما تحولت الى كرة ثلجية تكبر وتنمو كل في يوم وساعة مما ادى الى هذا الانفجار الذي نعيشه.
المشكلة الأكبر لازالت الاحزاب تعمل على انعاش ايدولوجية نشاطها السياسي في محاولة احياءها والمد في عمرها، متجاهلة السنن والقواعد التي تضبط العلاقة الملازمة بين المواطن والنظرية السياسية. لذلك باتت تبحث عن اجراءات وقائية تحافظ على وجودها في انتظار العامل المجهول الذي قد يغيّر من قواعد اللعبة بين الجماهير واحزاب السلطة. نعم قد يتحقق ذلك بشكل نسبي وحذر الا في النهاية ليس الا عبارة عن تأجيل اعلان موت الاحزاب بشكل رسمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *