كتب:  علي النجار 

في مجال الفن التشكيلي لم يعد الفنان مجرد رسام أو حفار أو نحات كما كان، بعد أن أخذت الفكرة(الأفكار)

 طريقها للتنفيذ عبر ممارسات وكتابات وأداءات جسدية وبمواد مختلفة وحتى المصورة بتقنيات مختلفة. اتخذت كل هذه الأشكال طريقها لعروض الصالات والمتاحف كأنماط مبتكرة في حقل الفن التشكيلي المعاصر ضمن النصف الثاني من القرن المنصرم وما استجد منها في الثمانينيات. لم تقتصر هذه الأداءات على التشكيل الغربي وحده. إذ سرعان ما تعدت منطقته الجغرافية لمناطق مجاورة وقصية. لكنها لم تصل لمنطقتنا العربية كممارسات تشكيلية إلا في وقت متأخر، حيث كان للأعمال الإنشائية حضور خجول، ولا يزال. بالوقت الذي مارسه العديد من الفنانين العرب المغتربين بعد احتكاكهم بالتجار الغربيين.

لم تكن الأرض جرحاً كانت جسداً

كيف يمكن السفر بين الجرح والجسد

كيف تُمكن الإقامة

(أودونيس)

 

وكان الفنان(أمير الخطيب) من أوائلهم. ربما لتجربته الاغترابية دور مهم في لفت نظره لهذه المنطقة التشكيلية المغفلة. ربما لولعه المسرحي المبكر في العراق(قبل هجرته) دور كذلك. ولا استثني عامل اطلاعه على مستجدات التشكيل الغربي في بلده الثاني فنلندا بعد هجرته الأخيرة له. وإن تصفحت ما نفذه ومنذ أوائل قرننا هذا من أعمال تشكيلية إنشائية عرضها في معارض وأمكنة مختلفة، فسوف أجد كما من الأفكار الاغترابية تعمر سطح(صناديقه) بمختلف أشكالها. فما بين حزوز وثقوب ودمى بلاستيكية صغيرة ومفاتيح ومرايا ذات دلالات مختلفة تعبر عن أفكار مستقاة غالبيتها من خزين ثقافته المحلية(مدينة النجف). حيث كل شيء فيها يبدو معلباً سواء كان منشأة أو أفكاراً دينية أو ثقافية. كما في إشارته لثقب الزمن الذي تلقفه عبر رحلة اغترابية ما بين الشرق والغرب وكزمن سائل. فما بين بناء صرح خيالي الى صندوق دنياه العامر بالمرايا كمسرح يعيد إنتاج مشهده الى أبعد نقطة ضوئية. كانت تجربته التشكيلية الأولى تنوس ما بينهما.

أمر الخطيب يدرك جيداً بأنه من أبناء هذا الزمن بما يحمله من اختلافات ثقافية وممارسات وسلوكيات بمرجعيات بيئية مختلفة. هو يعي الدرس الثقافي المتحول، ما دام يعيش وسط محيط يمور بكل هذه الثقافات المتعددة، إضافة لثقافته الحاضنة الأوروبية الشمالية. ما بدأه من تنصيبات اشتغلها بمواد أولية(قماش وخشب وأصباغ ولقى صغيرة متعددة الأغراض) التي صنع منها علبه السحرية، أو مسرحه الصغير أو مدينته الافتراضية الأولى بسلمها المدني وأساطيرها وحروبها العبثية. ثم بعد أن استنفد أغراض تجربته التنصيبية بموادها التي ألف الاشتغال بها. طوّر فكرته الجديدة التي لا تتبعد كثيراً عن هذه الاشتغالات الأولى. لتحاور محيط إرثه الشخصي البيئي بالذات. في محاولة منه للبحث عن الجذر متجاوزاً المظهر.

أمير الخطيب وكانسان منحدر من تلك المدينة التي تتوسد الصحراء بقبتها الذهبية الهائلة التي لم يفارقه لمعانها طوال زمن ترحاله. لم تكن القبة الذهبية بالنسبة له سوى عالم ملون متعدد الاجناس يحيط بها مركزا تتشعب منه مسالك المدينة كما جذور شجرة معمرة تتنشر متمددة ومحايثة في العمق بكل الاتجاهات. في مسعى للبحث عن جذر قابل لقراءة افتراضية توازي ادراكه المفهومي لهويته المدينية الشخصية، وكإرث قابل للمناورة الفنية. نفذ الكثير من الأعمال التي وظف فيها هذه الجذور كاستعارة لمعادل جذره الإنساني. سواء كما هي، أو كجذور ذهبية لها علاقة بالذهب المعلق وسط سماء مدينته الأولى. تشبثت جذوره هذه بالطيور المهاجرة والزوارق الراسية والكراسي المعلقة، ثم لم يني أن علق فسيلة نخل وسط قاعة عرض(قاعة جمعية الفنانين القاهرة). وأعتقد ان اختياره للنخلة، نابع من كونها جسد بجذور عليا وجذور سفلى. أو هكذا على ما تبدو لي افتراضا. وهي بذلك تعمق من تصوره لإنبات الجذر حتى في الفضاءات الاغترابية، مثلما اندفعت من سطوح بعض أعماله الأخرى. فهل غفرت هذه الجذور للخطيب مغامرته الفنية هذه. أم هي نية مفترضة للتشبث بمأوى لا يزال ينأى عنه كلما تقدم في العمر وازداد وعيا بماهية وجوده.

لم يكن أمير الخطيب يوما ما داعيا سياسيا. ولا تشبث ببطولات وهمية. لكنه مع ذلك لا يني يبحث عن خطاب انساني فني يدين به ما تعرض له بلده الأم العراق من مآسي متلاحقة. وقدم في هذا المجال اعمال عديدة تدين السلاح والاغتيالات والتهديم. وبما أنه (فنان تفاعلي) مارس في حياته أكثر من منطقة أداء فني بدأها بالمسرح وولج بعدها مجال التنصيبات التشكيلية مبكرا منذ عام( 2003) وليبقي يواصل تنوع أدائه التشكيلي حتى وقتنا هذا. مع معرفتنا بأن الفنان التفاعلي لا يكتفي بما ينتج تقليديا وحتى أبعد من ذلك بقليل. لكونه يسعى دوما لإشراك الآخر وسيطا فاعلا في عمله التواصلي. لذلك لن يكتفي الخطيب بما انجزه فنيا فقط. بل تعداه كوسيط تشاركي ووسطه الاجتماعي المعولم الأرحب.

كمؤسس لـ(شبكة الفنانين المهاجرين في أوربا) منذ (العاشر من شهر يناير عام 1997) في ثلاثة دول أوربية هي فنلندا، الدانمرك، هولندا، والتي ضمت لاحقا في عضويتها ما يقارب(280) فنانا تشكيليا من ثلاثون بلدا من مختلف بلدان العالم، وبشكل خاص من المتواجدين في أوربا، ومنهم بعض الفنانين العرب والعراقيين. كان الإعلان الأول عن هذه الشبكة الفنية يشير الى تبنيها لمفهوم(الثقافة الثالثة) الذي من ضمن معانيه العلاقة الجدلية القائمة ما بين ثقافة المهاجر الأم وثقافة بلد هجرته وفي حصيلتها النهائية تعني العولمة الثقافية كأطراف ومركز، أو بين مركز وآخر.

ساهمت شبكة الفنانين بقيادة أمير الخطيب في مؤتمرات وفعاليات عديدة منها المؤتمر المعنون بـ(قوة الثقافة) الذي نظمته اليونسكو في ستوكهولم عام(1998) والذي حضره حوالي(150) وزير ثقافة من بلدان عديدة ومنها العربية. كذلك مؤتمر(الاندماج) الذي عقد في بروكسل عام(2001) برعاية المجلس الثقافي البريطاني(برتش كانسل). وساهم في القاء كلمته معبرا عن رأيه في الاندماج والذي أخذ الكثير من جهده لاحقا. ومن ضمن اهتمامات أو جدول أعمال شبكة الفنانين انجاز الكثير من المعارض التشكيلية والتي تكاد موسمية منذ تأسيسها الى وقت قريب. كذلك اقامة معارض تشكيلية في قاعات فن مهمة في كل من روسيا، حيث اشتركت لأكثر من دورة في بينالي(حوارات) فيمدينة بترسبورغ وعدة معارض في قاعات لأكثر من مدينة فنلندية ومن ضمنها العاصمة هلسنكي في قاعة المجمع الفني المعروف(كابلا). إضافة الى القاعة الدائرية في كوبنهاكن. وفي لندن أكثر من معرض. كذلك ستوكهولم، ومساهمة في ورشة فنية في سيرايفو عاصمة البوسنة. إضافة لعد دول عربية.

من جانب الإصدارات، فقد أصدرت مطبوعها المهم المجلة التشكيلية الدورية(الألوان الكونية) منذ بداية تأسيسها والذي تطور من الطباعة بالأسود والأبيض الى الملونة بجودة عالية. غطت صفحاتها أنشطة الشبكة والأخبار الفنية وتسليط الضوء في كل عدد على منجز أحد أعضائها الفنانين وغيرهم إضافة الى موضوع أو ثيمة العدد المختار من ضمن مفاهيم فنية وثقافية معاصرة. كذلك مقالات عن التشكيل العالمي. ومن اصداراتها الأخرى أكثر من تسعة(كتلوكات) لأعمال وسيرة فنانين فاعلين في عمل وانجازات الشبكة، وخمسة مطبوعات عن حياة الفنانين المهاجرين. والاصدارات كلها كانت باللغة الإنكليزية.

ليس اعتباطا ان يتبنى الخطيب مفهوم(الثقافة الثالثة) ويشتغل عليه. هو الذي نال عنها درجة الماجستير من جامعة هلسنكي. وواصل دراستها حوالي عامين لنيل شهادة الدكتوراه قبل ان يتخلى عن اكمال دراسته ليمارس الصحافة في بلده الثاني فنلندا. بذلك فقد تراكمت خبرته في هذا المجال الثقافي التواصل، ومما عززها خبرته المتزامنة وولعه المنقطع النظير فيما يقدمه. إذا ما قدمه في مجاله المحبب الى نفسه لم يكن مجرد نزوة ولو معرفية تنتهي مفعولها بحدود زمن قصير. من هنا علينا فهم شخصيته النشطة المولعة في أداء عملها الفني المعرفي في نفس الوقت وبتراكم خبرة لا تزال تسعى للمزيد، رغم تغير الظروف وشحة الدعم بعد عقدين من الزمن. هي فترة زمنية ليست هينة، إذا ما قسناها فالفترات الزمنية التي تأسست فيها وعملت الكثير من الجمعيات والمجموعات الفنية، سواء منها الأوربية أو العربية وحتى العراقية. تواريخ هذه الجمعيات وأهدافها وانشطتها معروفة وموثقة.

عن الثقافة الثالثة: في عام(1959) نشر(سنو) كتابا بعنوان الثقافتان. يشير فيه الى أن هناك ثقافتين تسودان المجتمع(الانكليزي) والأوربي عموما، هما ثقافة رجال الأدب، وثقافة العلماء. ويشيد بالعلم، بعد ان تم الاعتراف بالاحتباس الحراري. في طبعة ثانية نشرت عام(1963) اقترح بتفاؤل ظهور(ثقافة ثالثة). حيث العلماء يتكلمون مع الجمهور، كذلك الأساتذة والصحفيون يكتبون اليوم بوسائل الاعلام الفكرية التقليدية، وهم يتجنبون الوسيط والتعبير بطريقة سهلة عن أعمق أفكارهم لتصل لعامة القراء الأذكياء. وليصبح العلم ثقافة عامة وليس مقتصرا على النخبة الخاصة. ولكي ال يفوتنا المغزى، كان ذلك في عام (1963). مع ازديا وتشعب المكتشفات العلمية ولغاتها الطارحة، لم تكن قوة الثقافة الثالثة بالتحديد تكمن في قدرتها على تحمل الخلافات حول الأفكار التي يجب أخذها على محمل الجد. بل على عكس المساعي الفكرية السابقة. ثم تطور مفهوم الثقافة الثالثة لاحقا، وبشكل خاص في الثمانينات من القرن للمنصرم.

بعد هذه النبذة المقتبسة بتصرف، ولكون المفهوم قابل للتأويل كل في مجال اهتمام انشغالاته. فقد أدرك أمير الخطيب أهمية لغة(الثقافة الثالثة) لتفسير حالة مستجدة في الوسط الاجتماعي الأوربي)رغم قدمها في بعض من أقطاره ذات الأعراق المختلطة كنتيجة منطقية للفترة الامبريالية(الغازية). بما أن العديد من هذه الدول، وحتى غيرها شهد حركة نزوح(لجوء) مضادة متأخرة. غالبيتها من شعوب شرق أوسطية. ولكون ثقافة هذه الشعوب مختلفة في تفاصيل معينة. فقد سعى غالبيتهم(اللاجئين) لاكتشاف خطاب ثقافي اندماجي يؤهلهم لمواصلة تعايشهم وثقافة هذه البلدان المضيفة. هذا يعني ان على الضيف الذي سوف يكون مواطنا مستقبليا ان يكتشف خطابا وسطيا اندماجيا متفاعلا لا يلغيه ولا يلغي الآخر. وأعتقده يشبه من بعض النواحي الخطاب العلمي التواصلي الذي أشير اليه في نحت مفهوم الثقافة الثالثة منذ بداية اعتماده. إذا هو خطاب تواصلي عام يحاول استيعاب المغايرات والوصول الى تفاهم أو توافق أو تعايش مشترك.

كان خطاب أمير الخطيب طوال اشتغالاته في الثقافة والفن منسجم وهذا الطرح، بما أنه هو الآخر ابن ثقافات أصيلة ومتحولة. باستطاعتها أن تنتج خطابا متحولا أيضا. فقد استطاع أن يحافظ ويتواصل مع مشروعه الإبداعي من خلال ذلك وبمقدره فائقة. من هذا المنطق أو المنطلق استطاع أن ينتج أعماله الفنية المتعددة والتي اشرنا اليها(الجذور أو البحث عن الجذور) عن ادراك كامل لمدلولات هذا المفهوم الذي اعتقده يتطابق وسيرة حياته كما سير حياة العديد من الفنانين المغتربين الآخرين. هذا التطابق أو التآلف، هو سر تمسك أو ولع أمير الخطيب بأن يكرر تجربته التشكيلية الشخصية ونشاطه التشكيلي الجماعي التفاعلي في نفس الوقت والى ما لانهاية.

عن المدى العراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.