كتب : د. عبد الحميد الصائح

روحُ السماوة

أتابعُ أعمالَ المخرج المبدع هادي ماهود من بداياته، وأكاد أكون قد شاهدت أفلامه جميعها، سواء ما لم يكتمل منها ولم يعرض أو ماتم عرضه في صالات عراقية وعربية وعالمية أيضاً، بحكم العلاقة المباشرة بهادي كزميل دراسة أولاً، ورفيقاً جمعني معه عملٌ في ظروف خاصة في المنفى نلتقي خلاله يومياً لسنوات. الذي يُدهشني في شخصية هادي أنه لايرى العالم بتفاصيله الصغيرة وقضاياه الكبرى معاً الا من خلال السينما، حتى تخالَ عينيه عبارة عن رؤيا سينمائية طفولية حرة للأماكن والناس والشخصيات العادية والأستثنائية في الحياة العامة. لذلك تبدو انفعالاتُه، وحتى تقييمُه الناس متطرفا و مُهوَّلا وحاداً، فهو يراهم من خلال عين السينما وكيميائها التي تُحيل الحياةَ والعالمَ الى خُلاصاتٍ، وتشذّبُه مما ليس دالاً أو ذاتَ قيمةٍ فيه. عالم هادي الواسع المرتبك هذا يشجّعنا على محاكاة عبارة المخرج الفرنسي جان لوك غودار في تعريفه للسينما على أنها الخدعة الأكثر جمالا في العالم، بانها الحياة الأكثر واقعية من الحياة نفسها، حتى لو كان الإنتاج خيالاً علميأ او افتراضيا أو خرافيا حتى، لأن منطق السينما المتشعب في آلياتها وأدواتها يجعل العالمَ الحاليَ عالمينِ يتنافسان، أيهما الافتراضي وأيهما الحقيقي؟ من منهما يمثل النفس البشرية وغموضها من الولادة الى الفناء ومابينهما من تاريخ يصنعه الناس، أو تاريخٍ يصنعهم ويسيّرهم ويتحكم في حياتهم؟ حيث تتزاحم حشود الإجابات عن ذينك السؤالين من عقائدَ وأفكار، أو أماكن أثريةٍ،أوطبيعةٍ لايُنطِقُها غيرُ الفن والسينما على قمته – المختبر الذي تدخل اليه الرواياتُ بثيابها وتخرج منه عارية على حد تعبير الراحل الكبير جعفر علي؟.
ولأني أعرف هادي ماهود جيداً وأؤمن بأنه من هذه القبيلة التي تعيش لترى، وترى مالايراه الآخرون، كماهي ميزة الفنان الحقيقي في جميع مراحله والمناهج والمدارس التي يطلع عليها وتحت أي ظرف يعيشه، القبيلة التي ترى أن السينما كي تكونَ تصارعْ، وأنّها مثل الحبّ أو الحريةَ لايقيدُهما فقرٌ أو قسوةٌ ولا تُرخيهما سلطةٌ أو ثراءْ، يمكنني في ظل ذلك إعادة مشاهدة أفلام هادي ماهود القصيرة وقراءتها مراراً، ففي كل مرّة أكتشف مالم أكتشفه أو أتأمل أكثر في ما تأملته في المرّة الماضية من لغة تتحدث مع كل لقطة وحركة كاميرا ودلالات الزوايا التي يصيب بها أهدافه في استطلاع المكان والمدينة وحركة العيون والأيادي واشارات مثل حركة طيور في مقبرة وكسر الايقاع داخل الثانية الواحدة ، فلاشيء مهمل في كادر هادي ، التفاصيل الهامشية في المشهد لاتقل ايحاءً وتاثيراً عن الموضوع الأساسي الذي يرتكز العملُ عليه، الكلمة ، التصريح ، الموسيقى – المؤثر الصوتي ، انشاء العلاقة بين الانسان والمكان، سواء كان فيلمأ يحكي عن قصص الناس كما في ( ليالي هبوط الغجر) و(السندباديون) أو مواقف انسانية نادرة كما في (عربات) – او عن عوالم المكان كما في (سوق سفوان) و(التواراة) و(روح السماوة) فيلمه الأخير،حيث تتبادل الامكنة مع البشر قصصهم وهي تخضع لتدوير يعيد انتاجها من جديد بلا شوائب ، تغذي ذلك دورة ٌمن العاطفة تجري في نسيج الفيلم كله، لاسيما الأعمال التي انتجت في الطريقين المتعاكسين بين الوطن والمنفى، وهو تميّز يكاد يشترك فيه أغلب المخرجين من جيل هادي الذين أنتجوا أعمالا قصيرة أو طويلة من المهاجرين العائدين، تراه في اعمال قتيبة الجنابي ورعد مشتت وجمال محمد أمين وجعفر عبد الحميد وجعفر مراد وكوكبة من أبناء هذه القبيلة المبدعة وهي تنوء بحمل كاميراتها الخلاّقة منذ شبابها حتى آخر مراحلها. جيل يعمل في ظروف صعبة ويمثل بِلادَه في مهرجات محلية ودولية على نفقته الخاصة دون سند أو وفرة مالية يفترض توفرها لانتاج سينمائي متقدم، وهو تحديدا ما أوجَع هادي كثيراً المصر على العمل الفني في بيئة طاردة لاتفهم لغته وآفاق عمله، أوجعه حين يقول لمسؤول في الدولة العراقية : اسالكم دعمَ عملٍ سينمائي عن السماوة فيجيبه المسؤولُ الامّي بتهكم، (يمعوّد هيه السماوة نفسها صايرة سينما !!!).ليمضي هادي فقير اليد غنيّ الروح شديدَ العزم، يبيع ممتلكاته الشخصية لينتج افلامه وهو ماحصل مع (روح السماوة).
لمن لايعرف هادي ماهود أرى من الضروري أن أبدا بما بدأتُ به من عرضٍ لصورة الفنان عن قرب واحاطةٍ بمتبنياته واشتغاله الذي يبدو أنه لن يتوقف رغم متاعبه على صُعُدٍ عدة كمقدمة لتدوين انطباعاتنا عن روح السماوة.
يتأسس فيلم (روح السماوة) على تاريخِ مبنىً أثريٍ متداعٍ مهملِ في المدينة ، يبدو من سعته وعراقته والإهمال الذي يعتريه مثل جثّة كائنٍ اسطوريٍ غيرِ مدفونةٍ وسط المدينة، توشك أعمدةُ الإسمنت الحديثة على إختراقِ جسده المسجّى، لدفنه دون مراسيم قطعة قطعة. كائن معبأ بقصصٍ وتواريخَ وانشطةِ أجيالٍ من أبناء المدينة واعجازٍ معماري فريد يحكي اهمية وعراقة بقعة من العراق نائمةٍ بين شخير الصحراء وأنين المدينة الفقيرة التي لا أثرَ فيها لسلطة أو ثروات أو إعمارٍ أو بنية تحتية تناسب عراقتها وحق الحياة فيها رغم قلة عدد سكانها حسب إحصاء سكان محافظات العراق الاخرى، وكأن هذا المبنى الاثري القديم الصامت يهدد الحاضرَ إذا نطق، ويُلهبُ حماس شعبِ المدينة إذا تحرك. ياتي هادي ماهود ليعيد الحياة الى روحه فيمسح بكاميرته على أطرافه وممراته وغُرفِه وينفخ في رئتِه،ويهمس بموسيقى من التراث في أذنه، فيفتح عينه ليلتقي جيلاً من الوجهاء الأحياء، اساتذة ومعلمين وتجارا وحرفيين متقاعدين وادباء وفنانين ممن ظلوا أحياءً شهودا على سيرة كائنهم الطريح. تحدثوا في حضرته عن حياتهم معه وتجاربهم وحياة وتجارب من رحلوا وكان أرواحهم تستحضر في هذا الموقف وهم يحتفلون في صالاته ويقرأون من خزائنه وينامون آمنين في سراديبه، ليقص هو عليهم تاريخ المدينة بمقاهيها وادبائها وطراز الحياة أيام شبابه فيها. قصّاً ليس كالقصص حيث تتحرك كاميرا هادي ماهود في شرايين المكان وهو يعتني بزوايا ولقطات وحركة حيّة للكاميرا التي تتبادل الالهام مع موسيقى جمال عبد العزيز، لنرى ونسمع معا طراز النحت الفريد الذي وشم جسد المكان وانفاقَه العبقة بالحكاياتِ، وربْطِ ذلك بجيل جديد يسمع عن نفسه للمرة الاولى، بعد أن أفلتت حكاية هذا البيت العريق التي يرويها مالكه السيد (ابو مراد عبد الطيف الجبلاوي) من لسانه الى كاميرا هادي ماهود وهي تجوب تجاعيد الوجوه وطرق المدينة معا.حركة حرة مدروسة وتنوع في اضاءة المكان الطبيعية أو الإضاءة المناسبة للأماكن المظلمة فيه وهي تستعاد بلغةٍ ثالثة راجفة بين الاستقبال والوداع في موكب مهيب عمل على جماله وتقنياته كادر متطوّع مبدع فبالإضافة الى الفنان جمال عبد العزيز، بَرَعَ علي جميل مديراً للتصوير وعلي سعد في هندسة الصوت وعلي الفارس مصحّحا للألوان وكان جهده بارزاً، كذلك الدور المتميز للأستاذ الدكتور أحمد كبة رئيس قسم العمارة بكلية الهندسة في جامعة المثنى الى جانب أبي مراد الجبلاوي،والمعلم المتقاعد حاتم رشيد ديبس الذي توفي بعد أيام من تصويرالفيلم ليكون آخرَ رسالة في حياتِه.
روح السماوة فيلم تميّز بقدرة السينما المحترفة على فتح قريحة المكان،وايقاظ عاطفته في ذلك العالم الغامض القديم المتشابك المليء بالحكايات والناس، موجِزةً كل ذلك بسحرِها ومنطق الزمن الفني الذي جعلَ من الثلاث وعشرين دقيقةً – زمنِ الفيلم تاريخا ناطقاً باكمله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.