كتب : يحيى حرب

وبعد ان هدأت العواطف الجياشة لبعض المتحمسين صار يمكن النظر بعين عاقلة الى مفاعيل الجريمة الصهيونية الارهابية في طهران. ونسأل لماذا استهدفت الاذرع الارهابية الاسرائيلية عالما مدنيا؟ 

هناك ثلاثة احتمالات: – الانتقام الشخصي. – ضرب البرنامج النووي. – جر المنطقة الى حرب واسعة.  

  • الاحتمال الاول غير مقبول لتفسير سياسات الدول. فقتل الافراد ليس هدفا بذاته، ايا كان موقعهم، الا بقدر تأثير قتلهم على المهمة التي يؤدونها. فأجهزة الامن التي تمارس ارهاب الدولة لا تنفق مواردها وهي مكلفة جدا في هذه الحالة، لاهداف شخصية. 
  • الاحتمال الثاني سخيف ايضا: لأنه لا يمكن لعاقل ان يتصور ان رجلا واحدا، مهما بلغت اهميته، ترتهن لجهوده مؤسسة كبرى بحجم المؤسسة النووية الايرانية.. وبحيث يكون استهدافه كافيا لزعزعة مشروع تاريخي، تعول عليه الامة لاحداث نقلتها الحضارية الموعودة، وقد شكل محور صراع عالمي مستمر منذ عقدين من الزمن. 

فالجمهورية الاسلامية في ايران اليوم مدرسة، بل جامعة كبرى في العالم، لكيفية بناء استقلال وطني، في زمن العولمة الامبريالية، واعداد قوة عسكرية تعطل قدرات اعتى الجيوش، واكبر الترسانات الحربية، وانشاء بنية تكنولوجية قادرة على المنافسة بقوة في حروب العقول والمعارك الاليكترونية، وتطوير برنامج نووي، بقدراتها الذاتية، حقق قفزات اسرع من اي دولة في العالم.. وتحصيل منطقة نفوذ وقطبية اقليمية صلبة ومتماسكة، وصلت الى حدود العالمية باقتحام اسطولها عباب المحيطات الى فنزويلا، وبلوغ غواصاتها العسكرية اعماق المحيطات البعيدة..  

هذه المدرسة او الجامعة بنت ايضا جيلا من العلماء في مجال الطاقة النووية والصناعة الصاروخية..  

واهمية الشهيد السعيد فخري زاده ومفخرته: انه قائد هذا الجيش من العلماء والطاقات والقدرات العلمية الفذة، وانه ملهم مئات بل الاف العلماء الذين لا يقلون ذكاء وابداعا، وايمانا بحق بلدهم، ومستقبل امتهم، وحكمة قيادتهم. 

فقتل عالم بحجم الشهيد السعيد مؤلم حقا، وتخريب جهاز او احراق مبنى قد يعيق النشاط فعلا، لكن لا هذا ولا ذاك يجهض المشروع التاريخي الضخم، لسبب بسيط: ان من يقف خلفه رجال ذوو ارادات راسخة وعزائم مؤمنة، بل لعل مثل تلك الاعتداءات الارهابية تجدد خلايا الجسد، وتحفز العقول والهمم، لانها تثبت ان هذا الطريق صواب بقدر ما يؤلم الاعداء. 

وبالفعل فان هذا الاحتمال سرعان ما استبعدته وسخرت منه المصادر الصهيونية والدولية، ولم تضعه في الاعتبار..  

  • يبقى احتمال الحرب واستدراج طهران لصدام مباشر مع الجيش الاميركي الذي سيسارع لحماية الكيان الصهيوني. 

 وهذا ايضا مستبعد لأنه ايا كانت الاحتمالات، فان حربا شاملة كبرى لن تنتهي بتدمير المنشآت النووية الايرانية، بل بإحداث دمار زلزالي بالكيان الصهيوني نفسه، قد لا يستطيع الوقوف بعده، وتكون حربه النهائية..  

ولولا ان الصهاينة يتخوفون من ذلك لما منعهم مانع من شن الحرب او الحروب، بدءا من ازمتهم مع لبنان الى سوريا الى ايران نفسها، الى مجمل محور المقاومة الذي تتعاظم قوته يوما بعد يوم.  

فماذا يبقى اذن؟  

يبقى احتمالان مرجحان معا. الاول هو البلطجة الصهيونية المعهودة، ومحاولة تسجيل انتصار معنوي، عبر هذه الجرائم الارهابية المخابراتية. واسرائيل ذات تاريخ حافل بهذه الجرائم. لكن المعروف ايضا ان نشاط المافيات الاجرامي الذي تجيده العصابات الصهيونية، لم يعد بإمكانه تغيير موازين القوى، وخلق واقع جديد، بعد ان سجل فيه محور المقاومة قصب السبق.  

والكل يعلم ان هذه الاغتيالات ضد المدنيين ليست من البطولة في شيء، ولا من مظاهر القوة الفعلية، وهي ممكنة للدول والمنظمات الاصغر حجما!! بل هي ممكنة للمنظمات الارهابية في قلب عواصم اميركا واوروبا!! فأن تقتل مدنيا في شارع عام ليس بالعمل المتفوق والخارق.. والصدمة المعنوية التي يحدثها مثل هذا الخرق الامني، نعتبرها خطيرة: لاننا حريصون على دماء وكرامة كل مواطن، ناهيك بالعلماء، لكنها لا تزعزع ثقتنا بأنفسنا، وايماننا بأن طريقنا هو طريق ذات الشوكة، وما دمنا نقدم التضخيات فإننا في الطريق الصحيح ما قبل النصر الحاسم.  

والثاني هو محاولة الصهاينة خلط الاوراق، واعادة رسم اولوليات الادارة الاميركية الجديدة، لتصفية اثار مرحلة ترامب وبومبيو ونتنياهو الاجرامية والعدوانية، واعادة العالم الى مسار الصراعات المضبوطة بالقوانين والمصالح الدولية، وموازين القوى الفعلية على الارض. 

ان الهدف الصهيوني الذي يسعى اليه وزير الخارجية الاميركي الحالي وسيده نتنياهو، هو ترك العالم في اكبر قدر ممكن من العقد والازمات والفوضى، ومواصلة الضغط على الادارة الجديدة حتى لا تلتقط انفاسها وتقضي السنوات الاربع المقبلة في حال ارتباك وقلق.  

فماذا يعني كل ذلك؟ 

يعني امرا واحدا: ان العقاب ات لا محالة، وسيكون بحجم التضحيات، وان اليد الصهيونية التي امتدت لهيبة عالم جليل ستقطع من جذعها.. وهو وعد الاوفياء لدماء الشهداء.. لكن ذلك ليس من شأننا بل هو قرار القيادة الحكيمة التي اثبتت على مدى العقود الاربعة الماضية: اقتدارها.. وحكمتها.. ومعرفتها بدروب النصر. 

وما يعنينا هو الثبات والعزم، وفضح مخططات العدو واهدافه، وحرمانه من تحقيق انجاز على حساب دماء شهدائنا.. فالامم الحية لا يهزمها الموت بل يهزمها اليأس وقبول الذلة.. ونحن امة مؤمنة بالحياة: في هذه الدنيا او في الاخرة، وكلتاهما من قدر الله ورحمته. 

وما يجب ان ينشغل به العالم اليوم هو هذا الارهاب الصهيوني الشاذ، باعتباره العنوان الحقيقي لهذا الكيان المسخ، الذي ينتظر مصيره المحتوم. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *