الصائح

عبد الحميد الصائح

البعض يريد أن يتعامل مع الأزمة السياسية والمجتمعية والاقتصادية في العراق، بخفّة دم بارزة ، ضربات ريشة ملونة على لوحة الأحداث البيضاء بالنسبة له ، كم قرار رمزي، تغيير في أحجار رقعة الشطرنج المقلوبة رأساً على عقب ، سد الأفواه بكرات العسل ، ونصب مسارح للخطب الرنانة والنكات وباعة الأمل في سوق الشاشات الفضائية . حتى انعكس ذلك على جميع وسائل الاتصال والاعلام والحوارات السياسية التي تحولت الى فواصل من المنوّعات الطريفة التي يكثر فيها اللمز والغمز والتلميح مجرد التلميح بالنقد ، وعبارة ( بعيدا عن ذكر الاسماء ) بعد أن هدأ جميع اللاعبين واستقرت أحوالهم المالية والدينية والتسليحية والعشائرية ، واتخذوا دور المتفرج على شباب جدد يتسلمون المسؤولية ، وكانهم يقولون : هذه بقايا العراق التي خلفناها فاعيدوا عظامه من رميمها ، ونحن سندعو لكم بالتوفيق !.
مشكلة العراق اليوم اكثر تعقيدا من ذلك بكثير ، بل اكثر تعقيدا من اية مرحلة سابقة كونها مكبلة بالازمات السابقة والحالية معاً ، فجميع الأطراف المتصارعة المتنازعة المتعادية التي شهدت معارك شرسة بينها خلال سبعة عشر عاما الماضية ، كلهم انتصروا ، والخاسر الوحيد هو العراق ، وشعبه من الشهداء وذويهم الذين قدموا أبناءهم دفاعا عن العراق ضد الارهاب ، ومن المساكين الذين لم يجدوا لقمة العيش، ومن الشباب العاطلين في بلد لازراعة فيه ولاصناعة ولا تنمية ، وظل المتمكنّون من الحياة فقط اولئك الذين يعملون تحت اجنحة الذين تحاربوا وانتصروا عليه جميعا ، كلهم دون استثناء، أرضى بعضهم بعضا فباتوا إمراء حروب وطوائف بالعشرات يجلسون على مقعد واحد .، مقعد تهدده اليوم اكثر من جهة ولاكثر من سبب.
بعض هؤلاء العرابين اليوم الذين وضعوا حكومة الكاظمي أمام جميع الخيارات المرة ، يحاولون الاعتراض على الإصلاحات أو القرارات التي تمس مصالحهم ، بل حتى الاعتراض على اللجان التي اوصى بها رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب بشان تفعيل قطاعات الزراعة والصناعة والبحث عن مصادر تمويل اخرى غير بضاعة النفط الكاسدة ، وكانهم يقولون : غيروا واصلحوا ولكن لاتفعلوا شيئا !! ، كونوا شجعانا لكن لاتؤذوا أحدا ! ، حاكموا الفساد لكن هيهات أن تقتربوا من الفاسدين ! هم ومعهم جيوش من الظلال التي تبرر وتناقش وتلوي أعناقها وكلامها دفاعا عن منطق ( الدولة الفاشلة ) ، في وقت تشهد فيها الساحة العراقية طوفانا من المشاكل المتداخلة ، اولها ان الحكومة الحالية بل الطبقة السياسية برمتها امام امتحان التغيير ، امام استحقاقات الاحتجاج الشعبي ودماء الشهداء ، امام استحقاقات الخطر المعيشي والصحي الذي لن يعالج بالرمزيات او بترك الحكومة وحدها تتصرف دون صلاحيات ودون اقرار بحجم الخطر واعانتها على انتشال البلاد من ازمتها الراهنة .
ولذلك فان القرارات التي اتخذتها رئاسة الوزراء بجدولة ومراجعة مصروفات الدولة ، لابد وان تصحبها قوة في التنفيذ والتحقق ومنع الاختراقات الشائعة في الحياة العراقية ، وهي اختراقات بمستوى عالٍ من التحايل والالتفاف على القانون ، كتدوين الممتلكات باسماء مستعارة ، او تقاضي الرواتب المتعددة باسماء معدلة هنا وصحيحة هناك ، أو الاقتراض لغرض الاستثمار وتلفيق العقود ومواعيد التسليم وشطب الديون ، وغيرها الكثير من الحيل التي للاسف اصبحت اسلوب حياة لدى المقربين من مراكز النفوذ في السلطة ، لذلك فان الثورة الإصلاحية التي يجب أن تحدث في العراق يجب أن تكون ثورة اخلاقية في التعامل مع القانون وتقويته وحماية القضاء من اختراقات الاشخاص وذوي النفوذ بوسائله المختلفة ،وتغيير منهج الاعلام العراقي برمته لدعم ذلك وعدم التعامل مع التغييرات الادارية بوصفها خطابات رمزية ، تنتهي الى اذابتها بالتنصل عن المسؤولية وحوارات الهرج السياسي الجارية حاليا، ذلك مايؤشر الى جدية الاصلاح ويكفل نجاحه ، فقد تعلم العراقيون أن مايقال لايؤثر في ما يُفْعَلْ ، فينعدم التنفيذ ، وهذا هو السبب الاساس الذي يجعل الجميع يائسا من التغيير الحقيقي.

By Miimo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *