عبد الوهاب بدر خان
عبد الوهاب بدر خان

بقلم : عبد الوهاب بدر خان

جاءت استقالة حكومة عادل عبد المهدي مخالفة لإرادة إيران المهيمنة على النظام العراقي ومستجيبة لدعوة المرجعية الشيعية المؤيّدة لمطلب الانتفاضة الشعبية. قبل ذلك، كانت استقالة حكومة سعد الحريري مستجيبة أيضاً للانتفاضة الشعبية ومخالفة لرغبة إيران كما عبّر عنها الأمين العام لـ “حزب الله” المهيمن على النظام اللبناني. بموازاة ذلك بادر النظام السوري الى نسف مفاوضات اللجنة الدستورية في جنيف، ورفع الحوثيون سقف مطالبهم في المفاوضات السرّية الجارية في مسقط بهدف إنهاء الأزمة والحرب في اليمن. قد لا يبدو الحدثان الأخيران مرتبطين ظاهرياً بالحدثين الأولين، غير أن متاعب طهران في بغداد وبيروت دفعتها الى التصلّب المكشوف عبر دمشق على رغم أن المفاوضات الدستورية لا تزال في بداياتها، وعبر صنعاء على رغم الإيجابية التي يبديها “تحالف دعم الشرعية” بقيادة السعودية.
ينبغي التذكير بأن المنهجية غير المعلنة لإيران، لكن المطبّقة فعلياً في التعامل مع أزمات البلدان الأربعة، كانت ولا تزال مبنية على أسس أهمها: أولاً، لا حلّ لأي أزمة إلا بمشاركة إيرانية واضحة ومعترف بها من جانب القوى الدولية. وثانياً، ضرورة أن تدور المساومات بشكل متزامن لتأتي الحلول مترابطة أيضاً ومتضمّنة اعترافاً دولياً (اميركياً وروسياً، تحديداً) بنفوذ إيران ومصالحها في تلك البلدان… وقد لاقت هذه المنهجية نجاحاً في سورية بفعل تطابقها مع مصلحة النظام، كذلك بفضل تقاسم واقعي للنفوذ مع روسيا وتركيا، وإنْ لم يكن تقاسماً ثابتاً ونهائياً. كما تلاقي نجاحاً في اليمن بسبب ثبات الحوثيين وتصفيتهم لحلفائهم ومنافسيهم في مناطق سيطرتهم، كذلك بسبب تصدّعات حصلت وتحصل في جانب الحكومة الشرعية والمؤيّدين لها.
هناك اختلاف واضح حالياً في طبيعة الأزمتين العراقية واللبنانية عن الأزمتين السورية واليمنية. في هاتين الأخيرتين لم تلمس طهران بعد أي تهديد حقيقي لنفوذها، فطالما أن بشار الأسد وعبد الملك الحوثي موجودان و”منتصران” ومدينان لها بوجودهما وسلطتهما فإنهما لا يستطيعان التخلّي عنها ولا يريدان أي تسويات سياسية برعاية دولية من شأنها أن تنتقص من سيطرتهما. على العكس، تجد طهران أن “المؤامرة” الأميركية تمكّنت من زعزعة النظامين اللذين أقامتهما وأمّنت لهما مقوّمات الصمود في العراق (ميليشيات “الحشد الشعبي” كجيش موازٍ للجيش الوطني) وفي لبنان (ميليشيا “حزب الله” مع ترسانة أسلحة وصواريخ متطوّرة تتفوّق بها على الجيش اللبناني وتقيم معادلة ردع مع إسرائيل). لذلك خلصت طهران الى نتيجتين: الأولى، أن التأزم في العراق ولبنان مجرد سجال ساخن بينها وبين “المؤامرة” الأميركية. وثانياً، إن سحق الانتفاضة داخل إيران دلّ الى أن “المؤامرة” لا تزال أضعف من أن تُحدث تغييراً في الأمر الواقع الذي فرضته وتواصل استثماره.
عملياً، تتساوى إيران مع الولايات المتحدة في الاستخفاف بالعراق والعراقيين وبلبنان واللبنانيين، بدماء الضحايا وآلام المصابين، وبالانهيارات المؤسسية والاقتصادية والنفسية هنا وهناك، وبالعبث بمستقبل الشعبين والدولتين. فالمقياس عند إيران أن يبقى نظامها قائماً ومتمكّناً من تحريك خيوط ميليشياته والحفاظ على سيطرته ونفوذه، وهذا يساوي عنده “انتصاراً” على “الشيطان الأكبر”. والمقياس عند اميركا أن تستمرّ في شلّ الاقتصاد الايراني لإنهاك نظام الملالي وصولاً الى إضعاف قبضاته الخارجية وبالتالي إجباره على التفاوض بشروطها. وإذ تعتقد طهران أنها استطاعت أن تقيم “نديّة” مع اميركا، خصوصاً في التحارب عبر “وكلاء”، إلا أنها أسقطت من حساباتها عنصراً مهمّاً لا بدّ أنها اكتشفته في العراق ولبنان، ذاك أن الانتفاضتين شعبيّتان فعلاً ولا يمكن أي “مؤامرة” أن تصنّعهما مهما بلغ شأوها، وكل ما تستطيعه هو أن تستغلّهما.
الحقيقة التي صدمت إيران أن استراتيجيتها المستندة الى الميليشيات لا تبني واقعاً شعبياً لمصلحتها، حتى في البيئة الشيعية التي ظنّت أنها صادرتها. كانت الصدمة كبيرة في العراق لأن الشيعة ثاروا على إيران وأدواتها في الداخل، فهي لم تحترم طموحاتهم المشروعة وأمرت بسفك دمائهم فردّوا بالإصرار على مهاجمة سفارتها الى أن أحرقوا قنصليتها في النجف واصطفّوا مع مرجعية علي السيستاني ضدّها. أما في لبنان فذهب “حزب الله” مع حليفه المسيحي الى حدّ إعادة انتاج الحرب الأهلية، وركّز بشكل رئيسي على تطويع جمهوره الشيعي فأفلت شبّيحته لمنع المشاركة في الانتفاضة بالقوّة، لكن شيعة صور والنبطية وبعلبك وغيرها أصرّوا على التظاهر إسوة بمواطنيهم في سائر المناطق والطوائف، وتحدّوا التهديدات بالبقاء في ساحات الاعتصام.
إذا كانت إيران تتهم أميركا بـ “الاستكبار” فإنها باتت تتمثّل في الاستكبار على شعبها وعلى الشعوب الأخرى التي اخترقتها. وإذا كانت أميركا لا تتردد في إدارة حروب ونزاعات تحقيقاً لمصالحها فإن إيران صارت موقنة الآن بأن الحفاظ على مصالحها لا بدّ أن يمرّ بحروب كثيرة، حتى لو كانت شيعية – شيعية أو بين أتباعها وحلفاء مرشّحين للانقلاب عليها. وعلى رغم الحقائق التي أعادت الأحداث الأخيرة تظهيرها فإن طهران تمسّكت في قراءتها لها بالأفكار السقيمة العقيمة ذاتها كما نجدها في كلمات قليلة لقائد “الحرس الثوري” حسين سلامي، قال: “الشعب الإيراني وجّه صفعة قوية الى واشنطن وتل أبيب في الأسابيع الأخيرة… واليوم تقف شعوب لبنان وسوريا والعراق واليمن أمام الاستکبار”.
كانت التوقّعات ترجّح حرباً بين الميليشيات الإيرانية المتنافرة في العراق لكن الانتفاضة أشعلتها بين الميليشيات والشعب، وتستغلّها طهران الآن لاختزالها بتغيير حكومي يعيد انتاج هيمنتها بإشراف قاسم سليماني، فالهدف هو منع قيام دولة للجميع للعراق. وفي السياق نفسه يعمل حسن نصرالله على إنهاء الانتفاضة عبر حكومة جديدة، لكن كل خدع “حزب الله” مكشوفة وغير مجدية، فلا انفراج للأزمة الاقتصادية – المالية في لبنان إلا بدعم دولي لا يمكن أن يأتي طالما أن “الحزب” مسيطر على الدولة.

By Miimo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *