كتب:  علاء الخطيب

مدينة الحلم الخاسر عنوان المجموعة القصصية للقاص محمد القريشي الذي صدرت مؤخراُ عن دار ليندا في سوريا , يستعرض القريشي وهو استاذ جامعي في جامعة ليل بفرنسا وكاتب وناشط ساسي وقاص , يستعرض في مجموعته هذه البيئة الاجتماعية العراقية ومعاناة الانسان فيها , معتبراً ان الواقع خير ملهم للكاتب في سرد افكاره وتجسيد حي لمخاضات الفكر .

ورغم قساوة الواقع وضراروة الحرب التي تشتد على الوطن او المدينة التي هي مسرح الاحداث  الا ان هناك مساحات من الحلم والمرح تخللها. ربما هي الكوميديا السوداء التي اراد الدكتور محمد القريشي ان  يظهرها في في شخصيات القصص .

الدكتور القريشي  المسكون بالوطن والمهووس بشخوصه والعاشق لملاح الوجوه التي يلتقيها يلتقط مشاهد حية من الواقع , كبائع  لذا جائت المجموعة لتعكس واقعاً معاشاً في مدينة تتخللها مشاهد البؤس والفرح .  يقول في احدى قصصه:  متحدثاً عن إمرأة عراقية غادرها الجمال ورحل عنها الشباب وعاندها الواقع , وهي تحاول ان تنتصر على معاناتها بالكبرياء رغم النكبات , لتحتفظ باسرارها كصندوف اسود  يصعب قتحه.

فكي عنك الحزن سيدتي فمواصلة الحزن حرام!

– تزوجي.. أنت بحاجة لرجل في الكِبر

صفحات العمر انطوت ولا فائدة تجنى من فتحها من جديد…. عانت كثيرا من الغموض الذي تفننت بالتلبس به منذ وصولها إلى هذا المكان.. لا يعرف عنها الآخرون إلا الهجرة من بغداد والزوج المغدور في الأحداث الطائفية والأب العليل.. وما عدا ذلك فحياتها كومة أسرار مركونة في زاوية من زوايا الماضي.

ولليل حكاية في وجدان القريشي وهو يستمتع بسكونه المتخيل في مدينة تضج بالمتناقضات فيقول:

ساحر هذا الليل, نسمع في سكونه كل شيء : أصوات الفجور والفرح، والتقوى، والجريمة، وغيرها..مجالس العزاء وغناء الغجريات وطلقات الأعراس والقتل وصراخ الأطفال وعواء الكلاب ونقيق الضفادع… أصوات تغيب وتظهر وتخفت وتقوى يحملها نسيم الليل حيث يريد….

وما كان العراق  ليغيب عن مشاعره فهو العشق الذي يؤرقه في الحالتين في البعد وافي القرب , يغوص في ثناياه يحاول ان يكتشف داته به فيقول :

ساحر هذا العراق … كل مرة الج في اعماق مجتمعه ،وأقف على مشهد يثير الأنتباه، ويلهب المشاعر بالحزن أو السعادة او الشقاء، تهب علي رياح الحيرة وتدوي برأسي أفكار آمرة، كدوي فأس ينقر بجذع نخلة ناطراً انكسارها :
“اكتب.. اكتب .. اكتب .. لا تدع النسيان ينتصر على ذاكرة الجرح ” … بعد هذه المخاضات القاسية، جاءت الوليدة..ملامحها عراقية، جميلة ولكنها،تبكي كثيراً وتضحك قليلا.. تغفو بين يدي،وترى في أحلامها أشياء غريبة فتنهض مفزوعة.. قلت مع نفسي ، انها ربما تحلم ببغداد فتشعر برهبة قادمة ، او بمدينة اجنبية ، فتشعر بغربة منتظرة .،، اسميتها ” مدينة الحلم الخاسر “.،
مجموعة قصصية تسرد أحداثاً ، عصية على النسيان، تتقاذفها حمم بركان في صورة بانورامية مجسمة، تؤطر المرحلة، من نواحي الزمان والمكان وما بينهما، من بشر يفكرون ويعيشون ويتناسلون ويصيبون ويخطئون وينفعلون…. حكايات تتراصف فيما بينها، كأنها خرزات مسبحة عديدة الألوان، ينتظمها خيط سري، يكشف عن كوامن النفوس وملامح البؤس والسعادة ..مقاطع من حيوات مضطربة ، يركب فيها البطل ،تارة “ريل حمد” سائرا نحو حبيبة ، ويمتطي تارة اخرى، صهوة حصان باحثاً عن خلاص ، و يقطع تارة غيرهما، فيافي مقفرة، مشياً على الأقدام ، في سبيل الهرب من قدر محتوم … ؟؟
وفِي جميع الاحوال، يمضي في طريقه مهمهاً، بصوت خافت وخجول :” لا تدعوا النسيان ينتصر على ذاكرة الجرح… ارحمونا… ارحمونا “……

مما يلاحظ في المجموعة القصصية  للدكتور محمد القريشي ان المرأة قد استحوذت على مساحة واسعة من مشاهده , ولعل ما يثير القارئ ايضاً  مسحة الحزن الكبيرة التي تنتشر على وجوه ابطال القصص,مع مخيال كبيرة في سرد الواقع كما يبدو دون تجميل او تزويق .

جهد مبارك ووثقية مهمة لمقطع زمني, مهم, ولواقع يكاد ينسى كما نسي من قبله ,   هذا الواقع يحتاج الى المزيد من التوثيق . علاء الحطيب

 

By Miimo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *